تشهد الجزائر، على غرار العديد من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، كل صيف موجات حر شديدة تتزامن مع اندلاع حرائق الغابات والغطاء النباتي، في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تزيد من حدة الظاهرة واتساع رقعتها، ورغم الجهود الكبيرة المبذولة لتعزيز وسائل الوقاية والإطفاء، فإن الحرائق ما تزال تشكل تحديا بيئيا وإنسانيا يستدعي الاستعداد والتنسيق الدائم.
برزت الحاجة إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة هذه الكوارث، من خلال تبادل الخبرات والإمكانات، وتطوير وسائل الوقاية والإنذار المبكر، ودراسة إنشاء قوة دولية مشتركة لإخماد حرائق الغابات بين دول البحر الأبيض المتوسط، بما يساهم في حماية الثروة الغابية والحد من الخسائر البشرية والبيئية.
في هذا الصدد، قالت بسمة بلبجاوي خبيرة دولية في مجال البيئة والتغيرات المناخية، في تصريح لـ»الشعب»، إن الجزائر تشهد هذا الصيف موجة حر شديدة تزامنت مع اندلاع عدد كبير من حرائق الغابات، مشيرة إلى أن الأرقام المسجلة خلال هذا الأسبوع تعكس بوضوح حجم الظاهرة.ووفق الحصيلة المقدمة من قبل المديرية العامة للحماية المدنية، فقد تم تسجيل 146 حريقا عبر مختلف ولايات الوطن خلال 24 ساعة الأخيرة وشملت الغابات والأحراش والمحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة وبساتين النخيل.
وكشف مدير فرعي للإعلام والتوعية بالمديرية العامة للحماية المدنية المقدم نسيم برناوي، للإذاعة الوطنية، أمس، أن الجزائر تعيش منذ نحو 12 يوما موجة استثنائية من حرائق الغابات.
وأكد برناوي في المقابل، أنه تم إخماد 127 حريقاً، فيما تتواصل الجهود للسيطرة على 19 حريقا لا تزال نشطة.
وأشار في الوقت ذاته إلى أن عدد الحرائق المسجلة منذ الفاتح من جويلية بلغ حوالي 1460 حريقا عبر التراب الوطني، مؤكدا أن مصالح الحماية المدنية تمكنت من إخماد ما بين 85 و90 بالمائة منها.
وأكد أن النتائج المحققة تعكس حجم الجهود المبذولة وفعالية التدخلات الميدانية، بالنظر إلى العدد الكبير من الحرائق التي شهدتها مختلف ولايات الوطن، منذ شهر ماي الماضي.
وفي هذا السياق، كشف برناوي أن الحصيلة الإجمالية منذ الفاتح من ماي بلغت 3719 حريقا، مقارنة بـ 1501 حريق خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة تقارب الضعف، موضحا أن الأيام الاثني عشر الأخيرة وحدها سجلت الجزء الأكبر من حرائق الموسم.
حلـــــول وقائيــــــة للحــــــــدّ مــــــن انتشارهــــــا
وبهذا الخصوص، توضح بسمة بلبجاوي أن الجزائر ليست الدولة الوحيدة التي تواجه هذه الظروف المناخية، بل إن العديد من دول جنوب أوروبا، مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال واليونان، تشهد بدورها موجة حر شديدة مرتبطة بما يعرف بـ»القبة الحرارية»، وهي ظاهرة ناتجة عن احتباس الهواء الساخن فوق منطقة معينة بسبب منخفض جوي، وقد تستمر من عدة أيام إلى أسابيع.
وأشارت إلى أن في ذات السياق، أن التضاريس الجبلية الوعرة في الجزائر تجعل عمليات إخماد الحرائق أكثر صعوبة، مؤكدة أن الجزائر لم تدخر أي جهد في تعزيز وسائل التدخل منذ صائفة 2021، التي شهدت واحدة من أكبر كوارث حرائق الغابات، حيث فقدت البلاد آنذاك نحو 90 ألف هكتار من الغطاء الغابي، إضافة إلى تسجيل ضحايا وخسائر كبيرة في الغطاء النباتي.وأضافت أن هذه الأحداث دفعت الجزائر إلى وضع مخطط واستراتيجية وطنية لحماية الغابات، تزامنا مع الاقتناء التدريجي لطائرات «be 200» وطائرات ذات سعة
3000 لتر المخصصة لإخماد الحرائق، إلى جانب تسخير المروحيات العسكرية، وتعزيز إمكانات الحماية المدنية، من خلال رفع عدد الأفراد، وتوفير تجهيزات جديدة، وتكثيف التدريبات.كما أكدت أن الجزائر أدخلت تقنيات حديثة للمراقبة، من بينها استخدام نحو 200 طائرة بدون طيار (درون) تعمل في وقت واحد بمختلف المناطق الشمالية، مما ساهم في تحسين عمليات الرصد والإنذار المبكر، وتوجيه فرق التدخل بسرعة نحو بؤر الحرائق، بما يرفع من فعالية الاستجابة ويحد من اتساع رقعة النيران.
وقالت إن السنوات الخمس الماضية شهدت تطورا متواصلا في العتاد والقوانين والاستراتيجية الخاصة بمكافحة حرائق الغابات، وهو ما جعل عمليات الإخماد والإنذار المبكر خلال سنة 2026 أكثر سرعة وفعالية مقارنة بالسنوات السابقة، مؤكدة أنه رغم هذا التطور، فإن التحكم الكامل في حرائق الغابات ما يزال تحديا قائما، ليس في الجزائر فقط، وإنما في مختلف دول العالم.
دعـــم التعـــاون الدولــــي
وأوضحت أن العديد من الدول، على غرار إسبانيا وفرنسا والبرتغال، تواجه بدورها صعوبات كبيرة في السيطرة على الحرائق، وهو ما يستدعي، حسب رأيها، التفكير في إنشاء قوة دولية مشتركة لإخماد الحرائق، خاصة بين دول البحر الأبيض المتوسط، بهدف تعزيز التعاون وتبادل الإمكانات لمواجهة هذه الكوارث.
وأضافت أن من بين الحلول التي تستحق الدراسة اللجوء إلى الاستمطار الاصطناعي، من خلال تحفيز هطول الأمطار فوق الغابات أو المناطق الأكثر عرضة للحرائق، بما يساهم في ترطيب الغطاء النباتي وخفض درجات الحرارة وتقليل خطر اندلاع النيران.
وأكدت الخبيرة أن الاستمطار الاصطناعي قد يشكل أحد الحلول الواعدة مستقبلا، مذكرة بأن الجزائر كانت من أوائل الدول في إفريقيا والمنطقة العربية التي جربت هذه التقنية، خلال سبعينيات القرن الماضي، وقد سجلت آنذاك نتائج إيجابية في منطقة وهران.
وأفادت المتحدثة أيضا، أن العلاقة بين حرائق الغابات والتغيرات المناخية أصبحت اليوم حقيقة علمية، أثبتتها الأمم المتحدة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، وقالت إن التغير المناخي لا يتسبب بشكل مباشر في اندلاع الحرائق، لكنه يجعل الظروف أكثر ملاءمة لحدوثها وانتشارها بسرعة كبيرة.
وأضافت في ذات السياق، ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى فقدان الأشجار والنباتات لكميات كبيرة من المياه، ما يتسبب في جفاف الغطاء النباتي وتحوله إلى وقود سريع الاشتعال. كما أكدت أن انخفاض نسبة الرطوبة، وتكرار موجات الحر، واستمرار فترات الجفاف، كلها عوامل تجعل أي شرارة، سواء كانت طبيعية أو ناتجة عن نشاط بشري، قادرة على إشعال حرائق واسعة.
الوقاية والتكيّف ركيزتان للحدّ من الحرائق
تشير الدراسات -تقول الخبيرة- إلى أن منطقة البحر الأبيض المتوسط، ومن بينها الجزائر، تعد من أكثر المناطق هشاشة أمام آثار التغيرات المناخية، حيث ترتفع درجات الحرارة فيها بوتيرة أسرع من المعدل العالمي، موضحة أن الارتفاع بلغ نحو درجتين مئويتين، وهو ما أدى إلى إطالة موسم الحرائق وزيادة حدتها، وجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة رغم الإمكانات المسخرة.
وقالت بلبجاوي إن هناك علاقة متبادلة بين حرائق الغابات والتغيرات المناخية، فالغابات تعد من أهم الخزانات الطبيعية لامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون، وعندما تحترق لا تفقد فقط قدرتها على امتصاص هذا الغاز، بل تطلق أيضا كميات هائلة من الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي، ما يزيد من ظاهرة الاحتباس الحراري ويؤدي إلى تفاقم التغيرات المناخية، وهو ما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها.
وأكدت أن حرائق الغابات لم تعد مجرد مشكلة بيئية، بل أصبحت قضية تمس الأمن البيئي، والأمن الغذائي، والأمن المائي، وحتى الاقتصاد الوطني والأمن القومي، بالنظر إلى ما تخلفه من خسائر في الثروة الغابية، والتنوع البيولوجي، والموارد الطبيعية، إضافة إلى الأرواح البشرية، مؤكدة أن الحد من حرائق الغابات يبدأ بالوقاية، عبر تعزيز الإنذار المبكر، والإدارة المستدامة للغابات، وإعادة التشجير، والتكيف مع التغيرات المناخية.وفي السياق ذاته، أشارت إلى أن بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، تعتمد إجراءات استباقية تتمثل في ترطيب الغابات بالمياه للتقليل من خطر اشتعالها، خلال فترات الحر الشديد، وأضافت أنه رغم صعوبة تطبيق هذا الإجراء في الجزائر بسبب وجود معظم الغابات في مناطق جبلية وعرة، إلا أنه يمكن التفكير في حلول مبتكرة، من بينها الاستمطار الاصطناعي، للمساهمة في ترطيب الغطاء الغابي والحد من قابليته للاشتعال، خاصة خلال الأيام التي تشهد درجات حرارة مرتفعة.وأضافت الخبيرة، مكافحة الحرائق لم تعد تعتمد فقط على وسائل الإطفاء، بل ترتكز على ثلاثة محاور أساسية، هي الوقاية، والإنذار المبكر، والتكيف مع التغيرات المناخية، كما شددت على أن حماية الغابات أصبحت مسؤولية مشتركة بين الدول، وبين الدولة والمواطن، لأن الغابة ليست مجرد أشجار، بل تمثل ثروة بيئية واقتصادية واستراتيجية يجب الحفاظ عليها.
تعزيز حماية الغابات والثروة الإيكولوجية
أكدت الخبيرة أن حماية الغابات والثروة النباتية والإيكولوجية تتطلب العمل على عدة محاور متكاملة، في مقدمتها تعزيز وسائل التدخل والإطفاء، مشيرة إلى أن الجزائر سجلت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في قدراتها العملياتية من خلال اقتناء طائرات متخصصة في إخماد الحرائق، وإنشاء الأرتال المتنقلة للحماية المدنية القادرة على التدخل السريع بين الولايات، إلى جانب دعم مصالح الحماية المدنية والمديرية العامة للغابات بمئات الشاحنات والآليات الحديثة، مع تعزيز عدد الأعوان وتطوير وسائل وتجهيزات التدخل.
وأضافت أن التكنولوجيا أصبحت اليوم عنصرا أساسيا في الوقاية، وذلك عبر استخدام الطائرات بدون طيار للكشف المبكر عن بؤر الحرائق، والاستفادة من صور الأقمار الصناعية بالتنسيق مع الوكالة الفضائية الجزائرية، إلى جانب توظيف نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لتحديد المناطق الأكثر عرضة للحرائق، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر وإنشاء قواعد بيانات رقمية لتبادل المعلومات بين مختلف الهيئات الوطنية.كما شددت على أهمية تعزيز المراقبة الميدانية، من خلال تدعيم أبراج المراقبة، ورفع عدد نقاط الحراسة، وتوظيف أعوان موسميين خلال فصل الصيف، وتنظيم دوريات مشتركة بين أعوان الغابات والدرك الوطني والحماية المدنية.
وشهدت سنة 2026-بحسبها- تنصيب اللجنة الوطنية لحماية الغابات، التي تضم 27 عضوا يمثلون 14 قطاعا وزاريا و13 هيئة وطنية، معتبرة أنه من المفيد إشراك خبراء وممثلي المجتمع المدني والجمعيات لإثراء عملها، بما يساهم في تنسيق عمليات الوقاية، وتحسين جاهزية التدخل، وتوحيد الجهود، وإعداد مخططات استباقية قبل بداية موسم الحرائق.
كما أشارت إلى أن السلطات قررت، بسبب التغيرات المناخية، تمديد موسم الوقاية من الحرائق، حيث أصبحت الحملة تنطلق بداية من شهر ماي بدل جوان، وتمتد إلى غاية شهر نوفمبر بدل أكتوبر، وهو ما يعكس الاعتراف بأن موسم الحرائق أصبح أطول نتيجة ارتفاع درجات الحرارة واستمرار موجات الجفاف.وأضافت أن السنوات الأخيرة عرفت أيضا تحديث الإطار القانوني، من خلال إصدار نصوص تنظيمية تهدف إلى تحسين تسيير الثروة الغابية، وتعزيز التنمية الغابية المستدامة، وحماية التنوع البيولوجي، ومكافحة التصحر، والمحافظة على الموارد الطبيعية، إلى جانب تشديد العقوبات على المتسببين في إشعال حرائق الغابات.وأكدت الخبيرة أن حملات التشجير وإعادة تأهيل الغابات، مع إشراك المجتمع المدني والجمعيات في حملات الغرس، تبقى من أهم الإجراءات الداعمة لحماية الغطاء النباتي، مشددة على أن التكيف مع التغيرات المناخية يظل الأساس الذي تقوم عليه جميع هذه المخططات والإجراءات الوقائية المعتمدة.
وعليه، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، تبقى حرائق الغابات من أكبر التحديات التي تواجه الجزائر ودول البحر الأبيض المتوسط، ما يستدعي مواصلة تطوير وسائل الوقاية والتدخل السريع، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز الوعي بأهمية حماية الثروة الغابية.
كما أن توسيع التعاون الإقليمي والدولي وتبادل الخبرات والإمكانات يعدان من أهم السبل للحد من آثار هذه الكوارث الطبيعية، وتؤكد هذه المعطيات أن حماية الغابات لم تعد مسؤولية الجهات المختصة فقط، بل هي مسؤولية جماعية يشارك فيها المواطن والمؤسسات والمجتمع المدني، حفاظا على البيئة والتنوع البيولوجي والموارد الطبيعية، وضمانا لحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وآمنة.




