ترسيـــخ نمـوذج جديـد للعلاقـات يقوم علـى الاستثمــار المنتج والتصنيـع ونقـل التكنولوجيـــا
أعادت المحادثات التي جمعت رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، برئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، رسم أولويات المرحلة الجديدة في العلاقات الجزائرية الإسبانية، من خلال وضع ملف استرجاع الأموال المنهوبة والمحولة إلى الخارج في صدارة مجالات التعاون، إلى جانب الدفع نحو صياغة رؤية أكثر توازناً للشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، ترتكز على الاستثمار والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا.
خلال التصريح الإعلامي المشترك الذي أعقب المحادثات، أكّد رئيس الجمهورية أنّ الجزائر تتطلّع إلى تعزيز التعاون القضائي مع إسبانيا، لا سيما في القضايا المتعلقة بمكافحة الفساد واسترجاع العائدات الإجرامية، عبر تسريع معالجة طلبات المساعدة القضائية المتبادلة. كما أشاد بتجاوب السلطات الإسبانية، مشيراً إلى تحقيق نتائج وصفها بالمرضية في ملف تضعه الجزائر ضمن أولوياتها الوطنية.
ويؤكّد إدراج هذا الملف ضمن أجندة المحادثات الثنائية أنّ استرجاع الأموال المنهوبة أصبح محوراً ثابتاً في التحرّك الدبلوماسي الجزائري، وجزءاً من علاقاته مع الدول التي توجد داخل أنظمتها المالية أو العقارية أموال وممتلكات مرتبطة بقضايا الفساد.
ملف سيادي يتطلّب تعاوناً قضائياً
تنظر الجزائر إلى الأموال المنهوبة باعتبارها جزءاً من ممتلكات الدولة والشعب، لذلك تمثل استعادتها قضية سيادية تتجاوز القيمة المالية للأصول الموجودة في الخارج، لترتبط أيضاً بتنفيذ الأحكام القضائية ومنع الإفلات من آثار جرائم الفساد عبر تحويل عائداتها إلى دول أخرى.
ويقتضي هذا المسار تعاوناً مباشراً من الدول المعنية، إذ لا تملك السلطات الجزائرية صلاحية تنفيذ قرارات الحجز أو المصادرة خارج إقليمها بصورة منفردة. كما يتطلب تعقّب الأموال تبادل المعلومات المصرفية والقضائية، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات والعقارات والحسابات البنكية، وإعداد ملفات تستوفي الشروط القانونية المعمول بها في الدول التي توجد فيها تلك الأصول.
وفي هذا السياق، تمثل سرعة استجابة السلطات الأجنبية لطلبات المساعدة القضائية مؤشّراً عملياً على مستوى التعاون القائم. وتعد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المرجع القانوني الدولي الأبرز في هذا المجال، إذ تجعل استرداد الموجودات أحد المرتكزات الأساسية لمكافحة الفساد، وتعرّفه بأنه استعادة عائدات الجرائم وإعادتها إلى الدولة أو أصحابها الشرعيّين.
وبعد نحو سبع سنوات من انتخاب رئيس الجمهورية في ديسمبر 2019، يبرز استمرار متابعة هذا الملف أنه تحوّل إلى خيار استراتيجي ثابت للدولة. كما أنّ إعادة طرحه خلال محادثات رفيعة المستوى تعكس مواصلة التحرّك عبر المسارين القضائي والدبلوماسي لاسترجاع الأموال المنهوبة.
إسبانيا بوابة لتعزيز الحوار مع الاتحاد الأوروبي
في سياق متّصل، حملت زيارة بيدرو سانشيز بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية، بعدما دعا رئيس الجمهورية إسبانيا إلى أداء دور إيجابي داخل الاتحاد الأوروبي، بما يُسهم في إرساء علاقات اقتصادية أكثر توازناً، وإعادة تفعيل مجلس الشراكة الجزائري-الأوروبي، الذي لم يعقد اجتماعاته منذ سنة 2020.
وتكتسب مدريد أهمية خاصة في هذا المسار، باعتبارها إحدى أكبر أربع قوى اقتصادية في الاتحاد الأوروبي إلى جانب ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وقد استحوذت هذه الاقتصادات مجتمعة على 59.1 بالمائة من الناتج الإجمالي للاتحاد الأوروبي سنة 2024. كما سجّل الاقتصاد الإسباني نمواً بنسبة 2.8 بالمائة خلال سنة 2025، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.
وتسعى الجزائر، من خلال شراكاتها مع إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، إلى ترسيخ نموذج جديد للعلاقات مع أوروبا يقوم على الاستثمار المنتج، والتصنيع، ونقل التكنولوجيا، بما يواكب التحوّلات التي يشهدها الاقتصاد الوطني ويعزّز التكامل الاقتصادي بين الجانبين.
وتبرز المؤشّرات الاقتصادية أهمية السوق الأوروبية بالنسبة للجزائر، إذ استحوذ الاتحاد الأوروبي على 49.6 بالمائة من إجمالي التجارة الخارجية الجزائرية خلال سنة 2025، فيما بلغت قيمة المبادلات التجارية في السلع 43.4 مليار يورو. وفي المقابل، شكّلت المنتجات المعدنية، وفي مقدّمتها المحروقات، نحو 93.2 بالمائة من واردات الاتحاد الأوروبي من الجزائر، وهو ما يبرز أهمية توسيع قاعدة الصادرات الجزائرية نحو المنتجات الصناعية والفلاحية والخدمات.
وفي هذا الإطار، تواصل الجزائر الدفاع عن مراجعة آليات تنفيذ اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بما يضمن حماية الإنتاج الوطني وتحقيق مصالح متوازنة للطرفين، في ضوء المتغيّرات التي عرفها الاقتصاد الجزائري منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ سنة 2005. ومن جهته، باشر الاتحاد الأوروبي إجراءات تحكيم بشأن بعض التدابير الجزائرية المتعلقة بالواردات والاستثمار، مع الإبقاء على مسار الحوار والتفاوض مفتوحاً.
وتوفّر الديناميكية الجديدة في العلاقات مع مدريد، ومع عدد من العواصم الأوروبية، فرصة لإطلاق مرحلة تفاوضية أكثر انسجاماً مع التحوّلات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر، خاصة في ظل تنامي القدرات الإنتاجية الوطنية واتساع فرص التصدير في قطاعات الصناعات الغذائية، والحديد والصلب، والأسمدة، والمنتجات الفلاحية، بما يعزّز أسس شراكة أكثر توازناً واستدامة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي




