شراكة قائمة على المصالح الاقتصادية الاستراتيجية بعيدة الأمد
أكّدت رئيسة الفيدرالية الجزائرية للتنمية والتعاون الاقتصادي المشترك، سعاد بروال، أنّ العلاقة بين الجزائر ومدريد في ضوء نجاح زيارة العمل والصداقة التي قادت رئيس الحكومة الإسبانية، السيد بيدرو سانشيز، إلى الجزائر، تجاوزت مفهوم المبادلات التجارية التقليدية، لتنتقل إلى شراكة قائمة على المصالح الاقتصادية الاستراتيجية بعيدة الأمد.
قالت سعاد بروال، في تصريح خصّت به «الشعب» أنّ آفاق التعاون بين البلدين الصديقين لم تعد تقتصر على الغاز الطبيعي، بل امتدت إلى الصناعة والتكنولوجيا والطاقات المتجدّدة والهيدروجين الأخضر، وهي القطاعات التي سترسم ملامح الاقتصاد الدولي خلال العقود القادمة.
وأثبتت الجزائر خلال هذه المرحلة بتوجيهٍ من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بحسب بروال، تمسّكها بثوابتها ومواقفها السيادية في سياستها الخارجية، دون أن تتنازل عن مبادئها قِيد أنملة.
ومع عودة مدريد إلى طاولة الشّراكة، يتّضح أنّ إسبانيا أدركت أنّ استقرار علاقاتها مع الجزائر ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية كبرى تفرضها اعتبارات الأمن الطاقوي والاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية المشتركة.
ويمكن اعتبار هذه العودة مكسبًا للدبلوماسية الجزائرية التي نجحت في فرض منطق الاحترام المتبادل والندية كأساس لأي تعاون مستقبلي، سواءً مع إسبانيا أو غيرها من القوى الإقليمية والدولية، وفقًا لها.
وتابعت: «إذا نظرنا إلى زيارة رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر، فإننا لا نكون أمام زيارة بروتوكولية عادية، بل أمام محطة استراتيجية تعكس تحوّلاً نوعيًا في مسار العلاقات الجزائرية الإسبانية بعد فترة من التوتر الذي عرفته سنة 2022.
وتؤكّد هذه الزيارة أنّ المصالح الاقتصادية والاستراتيجية أصبحت اليوم المحرّك الأساسي للعلاقات الدولية، وأنّ الحوار السياسي يظلّ الطريق الأكثر نجاعة لإعادة بناء الثقة والتوازن بين الدول».
في المقابل، تمتلك إسبانيا خبرة صناعية وتكنولوجية متقدمة، إلى جانب مؤسّسات اقتصادية كانت من أبرز المستثمرين الأوروبيّين في الجزائر، خاصة في قطاعات البناء والأشغال العمومية، والصناعات الغذائية، وتحلية مياه البحر، والطاقات المتجدّدة، والصناعة الميكانيكية، والخدمات اللوجستية وتطوير الموانئ. ومن المنتظر أن تفتح عودة العلاقات السياسية الطبيعية الباب أمام استئناف هذه المشاريع الهامة، وإطلاق استثمارات جديدة تعزّز التنمية الاقتصادية في البلدين الصديقين.
كما تعتبر إسبانيا- تضيف بروال، من أهمّ الشركاء التجاريّين للجزائر داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمنح هذه زيارة سانشيز بعدًا اقتصاديًا إضافيًا يتمثل في رفع حجم المبادلات التجارية، وتشجيع الصادرات الطاقية وغير الطاقوية الجزائرية نحو السوق الأوروبية، وزيادة الصادرات الصناعية والتكنولوجية الإسبانية نحو الجزائر، وتسهيل حركة رجال الأعمال، وكذا إقامة مشاريع استثمارية مشتركة قائمة على نقل وتوطين التكنولوجيا وخلق القيمة المضافة في الاقتصاد الجزائري
ولا يمكن فصل البُعد الاقتصادي عن الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية، فالجزائر تمثل بالنسبة لإسبانيا شريكًا محوريًا في ضمان الأمن الطاقوي، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والتصدي للإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل، إلى جانب دورها الحيوي في الحفاظ على استقرار غرب البحر الأبيض المتوسط. ولذلك، فإنّ استعادة العلاقات إلى مستواها الطبيعي، وبدرجة أكثر عمقا، يخدم مصالح البلدين، كما يخدم استقرار المنطقة بأكملها، بحسب قولها.
ورأت بروال أنّ هذه الزيارة تمهّد لإعادة تفعيل مجلس التعاون الجزائري الإسباني، وإبرام اتفاقيات اقتصادية واستثمارية جديدة، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والطاقات المتجدّدة والهيدروجين الأخضر، وتطوير مشاريع الموانئ والخدمات اللوجستية، وتوسيع التعاون العلمي والتوطين التكنولوجي، إضافة إلى التحضير لأول اجتماع حكومي رفيع المستوى بين البلدين منذ ثماني سنوات، والمقرّر عقده في مدريد خلال شهر أكتوبر المقبل.
واسترسلت محدثتنا: «يبقى معيار نجاح هذه الزيارة بعيدًا عن البيانات المشتركة أو البروتوكولات الدبلوماسية، ليقاس بقدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى استثمارات حقيقية، ونقل فعلي للتكنولوجيا، وخلق مناصب شغل كثيرة، ورفع حجم المبادلات التجارية، وتمكين الجزائر من أن تصبح منصة صناعية ولوجستية للإنتاج والتصدير نحو عمق إفريقيا».
في المقابل، يتعيّن تعزيز دور إسبانيا كبوابة رئيسية للمنتجات الجزائرية نحو الأسواق الأوروبية. فهذه هي الشراكة الاستراتيجية التي تفرضها المتغيّرات الاقتصادية الدولية، هي أيضاً الطريق الأكثر واقعية لبناء مستقبل يقوم على المنفعة المتبادلة والتنمية المستدامة.




