استثمـارات متزايدة في مشاريـع الهيدروجــين الأخضـر
تواصل الجزائر ترسيخ موقعها بوصفها أحد أبرز الفاعلين في منظومة الطاقة الأوروبية، في ظل تنامي دورها كممون رئيسي وموثوق للقارة، وتؤكد المؤشرات المسجلة خلال عام 2026 أن مكانة الجزائر في سوق الطاقة الأوروبية تشهد تعززًا متواصلاً، بعدما أصبحت المحرك الرئيس لنمو واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي عبر الأنابيب خلال النصف الأول من السنة الجارية.
مع اتساع مجالات التعاون الطاقوي وظهور مشاريع استراتيجية واعدة، تتجه الشراكة الجزائرية الأوروبية إلى مرحلة جديدة تتجاوز إمدادات الغاز التقليدية، لتشمل بناء منظومة متكاملة للطاقة النظيفة، بما يجعل الجزائر أحد المفاتيح الأساسية لأمن الطاقة ومستقبلها في أوروبا.
تكشف أحدث المؤشرات عن نقلة نوعية في مسار الشراكة الطاقوية بين الجزائر وأوروبا، تجسدت في الارتفاع المستمر لصادرات الغاز نحو إسبانيا وإيطاليا، إلى جانب توسع التعاون ليشمل ألمانيا عبر عقود طويلة الأمد لتوريد الغاز الطبيعي.
استجابة سريعة لمتطلبات السوق الأوروبية
ويعكس هذا الحضور المتنامي تحولاً في طبيعة العلاقة بين الجانبين، إذ أصبحت الجزائر شريكًا استراتيجيًا يساهم في ضمان أمن الطاقة الأوروبي، إلى جانب مشاركتها في مشاريع الهيدروجين الأخضر وممرات الطاقة المستقبلية، بما يعزز دورها في قيادة التحول الطاقوي بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
في ظل التقلبات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، برزت الجزائر بوصفها شريكًا استراتيجيًا يعتمد عليه في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي. وقد أظهرت بيانات النصف الأول من عام 2026 عودة واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي عبر الأنابيب إلى مسار النمو بنسبة 3 بالمائة، لتبلغ 73 مليار متر مكعب، مقابل نحو 71 مليار متر مكعب خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وكانت الجزائر المحرك الرئيس لهذا النمو، بفضل جاهزية بنيتها التحتية وقدرتها على الاستجابة السريعة لاحتياجات السوق الأوروبية، خاصة خلال فترات ارتفاع الطلب واضطرابات الإمدادات، وهو ما عزز مكانتها كأكبر مورد إفريقي للغاز إلى أوروبا، بحصة بلغت نحو 17.4 بالمائة من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي المنقولة عبر الأنابيب.
وتجلت هذه المكانة بوضوح في السوق الإسبانية، حيث حافظت الجزائر على صدارة موردي الغاز إلى إسبانيا، مستحوذة على 33.9 بالمائة من إجمالي وارداتها خلال النصف الأول من عام 2026، لترتفع الحصة خلال شهر جوان إلى مستوى قياسي بلغ 40.3 بالمائة.
بناء منظومة طاقة مستدامة
وبلغت الصادرات الجزائرية إلى إسبانيا نحو 64.23 تيراواط/ساعة، منها 59.63 تيراواط/ساعة عبر أنبوب “ميدغاز”، و4.59 تيراواط/ساعة من الغاز الطبيعي المسال. كما واصلت الجزائر تعزيز إمداداتها إلى إيطاليا عبر أنبوب “ترانسميد”، مسجلة زيادة بنسبة 4 بالمائة خلال النصف الأول من السنة، وبنسبة 5 بالمائة خلال الفترة الممتدة من جانفي إلى ماي، بما عزز دورها في دعم الاستقرار الطاقوي بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
مثلت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى ألمانيا محطة بارزة في مسار العلاقات الطاقوية بين البلدين، إذ توجت بتوقيع مجمع “سوناطراك” عقدًا استراتيجيًا مع الشركة الألمانية “في إن جي” لتزويد السوق الألمانية بالغاز الطبيعي ابتداءً من الفاتح جانفي 2027.
وأكد وزير الطاقة أن هذا الاتفاق يعكس متانة الشراكة بين المؤسستين ويكرس مكانة الجزائر كمورد موثوق للطاقة، فيما أشاد الجانب الألماني بالدور المتنامي للجزائر في تأمين احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي، بما يعزز الأمن الطاقوي الألماني ويفتح آفاقًا جديدة للتكامل الاقتصادي بين الجزائر والدول الأوروبية، فضلاً عن دعم استقرار أسواق الطاقة في القارة.
ولا تقتصر الشراكة الجزائرية الأوروبية على الغاز الطبيعي، بل تمتد إلى بناء منظومة متكاملة للطاقة النظيفة، حيث تشمل اتفاقية “سوناطراك” و«في إن جي” المشاركة في “تحالف الهيدروجين بين الجزائر وأوروبا” و«ممر الهيدروجين الجنوبي”، بهدف إنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره إلى الأسواق الأوروبية.
كما شهدت زيارة رئيس الجمهورية إلى برلين توقيع اتفاقيات وبروتوكولات تعاون مع شركتي “بوش” و«سيمنس إنرجي” لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم للحد من انبعاثات غاز الميثان، بما يعزز مساهمة الجزائر في جهود الانتقال الطاقوي وبناء منظومة طاقة مستدامة وصديقة للبيئة.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن الجزائر رسخت مكانتها كشريك استراتيجي في منظومة الطاقة الأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومواردها الطبيعية، ورؤيتها الاستراتيجية في تطوير القطاع الطاقوي. ومن خلال شبكة الأنابيب الممتدة نحو إسبانيا وإيطاليا، والعقود طويلة الأمد مع ألمانيا، والاستثمارات المتزايدة في مشاريع الهيدروجين الأخضر، تواصل الجزائر توسيع حضورها في الأسواق الأوروبية، وتعزيز دورها كفاعل رئيسي في رسم ملامح مستقبل الطاقة في منطقة البحر الأبيض المتوسط والقارة الأوروبية.



