يرى الدكتور يوسف أولاد حسيني أن بناء ذاكرة الطفل لا يعني مجرد تخزين معلومات في عقله، بل هو عملية تشكيل وجداني ومعرفي عميقة، تجعله يستوعب تراثه ككيان حي يتفاعل معه، لا كماضى جامد، وهنا تبرز المكتبة العمومية كحاضنة لهذه الذاكرة.
أكد الأستاذ بجامعة الحاج موسى أخاموك بتمنغست، الدكتور يوسف أولاد حسيني، في تصريح لـ«الشعب” أن هناك عدة نقاط لابد من توفرها لتلعب المكتبة العمومية دور مهم، على غرار توفير المادة التراثية بلغة الطفل: فالمكتبة التي تحرص على اقتناء كتب مبسطة ومصورة عن التاريخ المحلي، والحكايات الشعبية، والسير الذاتية للأعلام، تؤدي دورا محوريا في ربط الطفل بجذوره. وكما هو الحال في منطقة تامنغست، حيث تزخر المنطقة بتراث ثقافي متنوع (نقوش صخرية، عادات وتقاليد، فنون شعبية)، فإن المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية “برادعي أحمد” بتامنغست، مطالبة بأن تكون نافذة يطل منها الطفل على هذا الموروث، عبر كتب تعكس الخصوصية المحلية، بعيدا عن النمطية والكتب المعممة التي قد لا تعبر عن هويته القريبة.
ويؤكد المختص في علم المكتبات والأرشيف، على ضرورة مواجهة الفجوة بين الأجيال، فقد رصدت العديد من الأبحاث الفجوة الهائلة التي عرفها الجيل الحالي مقارنة مع الأجيال السابقة، وهنا يأتي دور المكتبة كجسر يعيد وصل ما انقطع، فالطفل الذي يقرأ عن “آخر الناطقين” بلغات محلية أو عن فنون إبداعية متوارثة كادت تنقرض، يدرك قيمة ما يملكه، ويشعر بمسؤوليته تجاه الحفاظ عليه، فالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية “برادعي أحمد” تامنغست – يقول المتحدث – “يمكن أن تتحوّل إلى معمل لإعادة بناء الوعي التاريخي، من خلال ما تزخر به من موروث لغوي وثقافي، حيث يكتشف الطفل أن هويته ليست شعارا فارغا، بل هي تراكم حضاري يستحق الصون”.
وفي سياق متصل، أكد أولاد حسيني أن تحويل المكتبة إلى فضاء إبداعي نشط يتطلب كسر النمط التقليدي القائم على المشافهة والحفظ، والانتقال إلى نموذج يركز على المشاركة والإنتاج والتفاعل، وهذا لا يتأتى إلا من خلال العديد من النقاط على غرار ورش الإبداع التفاعلية، فبدلا من أن يكون الطفل مستهلكا للمعرفة، يمكن للمكتبة أن تنظم ورشا في مجالات متنوعة، على غرار ورش للرسم حول معالم المدينة، ورش للمسرح العرائسي لتجسيد الحكايات الشعبية، وورش للكتابة الإبداعية حيث يعيد الطفل سرد التاريخ المحلي بأسلوبه الخاص، وهذا ما يدخل في صلب مهام المكتبات المطالعة العمومية الجزائرية وفق قانونها الأساسي الذى يدعو صراحة إلى ترقية القراءة والمطالعة العمومية بشتى المبادارت،
ويقول محدثنا إن المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية برادعي أحمد، دأبت على مشاركة الأطفال من رواد “فضاء الطفل” في ورشة التلخيص والكتابة ومشاركة هاته النشاطات على فضاء الإذاعة الجهوية لتامنغست عين صالح وعين قزام بهدف تمكينهم من الكتابة الإبداعية وتثمين التاريخ الوطني للأجيال القادمة، فإشراك الطفل في هذه العملية يجعله ليس فقط حافظا للتراث، بل فاعلا في تشكيله ونقله من خلال ربط التراث بالممارسة اليومية، كأن تخصص المكتبة أركانا تحاكي الحياة التقليدية كالمهن الحرفية، الأزياء الشعبية، المأكولات التقليدية، وتدعو الأطفال لتجربتها بأيديهم، فهذا يخلق شعورا بالانتماء يتجاوز القراءة النظرية، ولعلّ زيارتنا لأغلب المكتبات الرئيسية للمطالعة العمومية عبر القطر الوطني جعلنا نلاحظ الطابع المحلي لفضاءات المطالعة داخل المكتبات، وهي جهود تشكر عليها وزارة الثقافة الوطنية، يضيف المتحدث، وقد كان نموذج ورشة الفخار أحد الورشات الإبداعية المهمة داخل المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية رغم كونها ورشة غير قارة إنما مناسباتية، غير أن أثرها على الطفل دائم ومحفز على الإبداع، كما أن الطفل الذي يصنع فخارا أو يرسم نقشا صخريا أو يردد أغنية شعبية، يشعر بأن التراث ملك له، وأن المواطنة هي امتداد ثقافي.
وفيما تعلق بالثورة الرقمية، فيقول المتحدث لا يمكن للمكتبة أن تنجح في مهمتها دون استثمار التكنولوجيا بشكل ذكي، لكن المطلوب ليس مجرد توفير أجهزة إلكترونية، بل هو دمج رقمي متوازن يحترم الخصوصية الثقافية ويعزز القيم.
وقال محدثنا إن شبكة المكتبات العمومية في الجزائر تواجه تحديا وجوديا يتمثل في كيفية التوفيق بين ثلاثة متطلبات، تتعلق أساسا بالحفاظ على الذاكرة والهوية، تحفيز الإبداع وغرس المواطنة، مواكبة الرقمنة والتكنولوجيا,.. ومن خلال الاستفادة من بعض النماذج المطبقة في المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بتامنغست، يمكن القول إن النجاح يتحقق حين تصبح المكتبة فضاء مفتوحا للتجريب والمشاركة، لا مستودعا للكتب.







