أكد الأستاذ قادة قبيز، إطار بمديرية الثقافة والفنون لولاية النعامة، أن المكتبات العمومية تساهم بشكل عميق في بناء “ذاكرة الطفل” وتشكيل هويته الوطنية والثقافية، وسجل أنها “حاضنات تربوية وفكرية تنطبع محتوياتها في مخيلة الطفل، ويصعب محوها أو تغييرها مع مرور الوقت”.
وأوضح قبيز في تصريح لـ«الشعب” أن هذه المساهمة تبدأ بترسيخ اللغة الأم كوعاء أساسي للهوية، من خلال توفير دواوين وقص وأناشيد مكتوبة بلغة الطفل، ما يعزز ارتباطه بجذوره. كما أن القراءة المستمرة تكسبه مفردات لغوية جديدة، تعينه على التواصل مع مجتمعه وتتجاوز صعوبات النطق، فيترسخ بذلك انتماؤه الثقافي.
وبين قبيز أن المكتبة مؤسسة فكرية واجتماعية وتربوية، مهمتها جمع مصادر المعرفة وإتاحتها. وقد تجاوز مفهومها الحديث من جمع الكتب الورقية إلى فضاءات رقمية مفتوحة تتيح الوصول إلى مختلف أنواع المعلومات والوسائط المتعدّدة، وأضاف أن المكتبة تعد وعاء للهوية بالنسبة للطفل، لأنها تغرس فيه التاريخ والأبطال ضمن “الذاكرة الجماعية”، ويحدث ذلك عبر توفير السير وقصص البطولات والتضحيات من أجل الحرية، فيتعلم الطفل تاريخ وطنه ويعايش تجارب الأجيال السابقة، مما ينمي لديه الوعي بقيمة الوطن وضرورة الدفاع عنه.
وتعمل المكتبة على ربط الطفل بموروثه الشعبي والتراثي ـ يقول محدثنا – فهي تحتضن الحكايات والأساطير والأغاني التي تناقلتها الأجيال، إلى جانب الحديث عن الألعاب التراثية والمناسبات الاجتماعية. “وهذا كله يكسب الطفل قيم مجتمعه ويجعله يعتز بعاداته وتقاليده” يقول قبيز.
ويرى المتحدث أن تنظيم جلسات حول القص التراثي داخل المكتبة يحول التاريخ الجاف إلى تجربة بصرية وحسية ممتعة ترسخ في الذاكرة، كما أن إقامة معارض ومسابقات في المناسبات الوطنية تعمق مفهوم المواطنة والتمسّك بالهوية.
وتتحوّل المكتبة بهذا الشكل من فضاء هادئ لتخزين الكتب إلى “ورشة إبداع” حية وصانعة للمواطنة، معتبر أن الطفل لا يتعلم الانتماء بالقراءة الجافة، بل بالممارسة وتجسيد القيم داخل بيئة المكتبة. ويتمّ ذلك عبر توفير زوايا للرسم والطين وأجهزة تكنولوجيا مبسطة ليحوّل الطفل القص المقروءة إلى مجسمات ملموسة، وتنظيم مسرح عرائس صغير يتيح له كتابة سيناريوهات قصيرة وتمثيلها بدمى يصنعها بنفسه، بالإضافة إلى ورش “حكايات الأجداد” باستضافة كبار السن والحكواتيين، يتبعها نشاط يعيد فيه الأطفال سرد القصة أو رسمها.
وفيما يخصّ التحوّل الرقمي، يرى قبيز أن المكتبات العمومية الحديثة تستثمر التكنولوجيا والرقمنة ليس كبديل للكتاب الورقي، بل كجسر تفاعلي يجذب الطفل من عالم الشاشات الافتراضية إلى عالم القراءة والإبداع، ويتم ذلك، في نظره، عبر مكتبات تفاعلية ذكية توفر اشتراكات مجانية في تطبيقات قراءة مصنفة حسب الأعمار ومدعومة بالصوت والرسوم والأسئلة التفاعلية، وتصميم ألعاب معرفية، وتدريب الأطفال على مهارات التصوير والمونتاج المبسط ليقوموا بتسجيل “بودكاست” أو فيديو قصير عن قيمة وطنية أو كتاب تراثي أعجبهم.
وختم قبيز حديثه بالتأكيد أن هذه الأدوات تحول التكنولوجيا من وسيلة ترفيه سلبية إلى أداة معرفية ممتعة.







