خلف الله: الملاية علامة اجتماعية وثقافية ميّزت المرأة السطايفية عبر القرون
في مدينة سطيف، حيث تتوارث الأزقة القديمة حكايات الجدات، وتختزن البيوت العتيقة تفاصيل الهوية جيلا بعد جيل، لا تقاس الأزياء التقليدية بما تغطيه من الجسد، بل بما تحمله من رموز ومعان اجتماعية وثقافية عميقة؛ فالملاية السوداء التي كانت إلى وقت قريب عنوان المرأة السطايفية، لم تكن مجرد لباس يرافقها في خرجاتها، وإنما لغة صامتة تروي حكاية الوقار والخصوصية والانتماء.
أما العجار.. ذلك النسيج الرقيق الذي ينسدل على الوجه برقة وأناقة، فقد استطاع أن يتجاوز تغير الأزمنة، محافظا على حضوره كأحد أبرز رموز الهوية النسوية في عاصمة الهضاب العليا، ليؤكد أن بعض التفاصيل الصغيرة قادرة على حمل ذاكرة مدينة كاملة إلى الأجيال الجديدة.
لم تعد الملاية السطايفية تحتل المشهد اليومي كما كانت لعقود طويلة، بعدما فرضت الأزياء الحديثة والحجاب بمختلف أنواعه حضورهما على الحياة العامة، فتراجعت تدريجيا إلى فضاءات الأعراس والمناسبات التراثية وبعض الاحتفالات العائلية. غير أن هذا التراجع لم يكن نهاية الحكاية، إذ وجد العجار طريقه إلى الاستمرار بعدما أعادت المرأة السطايفية توظيفه فوق الحجاب والعباءة، ليصبح رمزا يجمع بين الاحتشام والأناقة والوفاء للموروث المحلي.
العجــار.. مـــــن رفقـــة الملايــــة إلـــى رمزيـــة هويــــة
لعقود طويلة، ارتبط العجار بالملاية حتى بدا وكأن أحدهما لا يكتمل إلا بالآخر، لكن التحوّلات الاجتماعية التي عرفها المجتمع السطايفي جعلت العجار يتحرّر من هذه العلاقة، ليواصل حضوره باعتباره قطعة مستقلة ترتديها النساء في الحياة اليومية كما في المناسبات، دون أن يفقد دلالاته المرتبطة بالوقار والخصوصية.
ويظهر حضور العجار بشكل لافت خلال خرجة حمام العروس، وفي حفلات اللباس التقليدي والمناسبات العائلية، حيث تحرص الفتيات والمتزوجات حديثا على اقتنائه باعتباره جزءا من الطقوس التي تعكس الاعتزاز بالهوية المحلية، وليس مجرد استحضار لصورة من الماضي.
الفتلــــــة والتطريـــــز.. حرفـــــــة تحفـــظ الذاكــــــرة
ولا يكتمل الحديث عن العجار دون التوقف عند الحرفة التي منحته خصوصيه، فهذه القطعة التراثية تصنع من قماش خفيف وشفاف، وتزين بخيوط “الفتلة” الذهبية أو الفضية، وبغرز تطريز دقيقة تحتاج إلى مهارة وصبر، ولا تزال بعض الحرفيات في سطيف يحافظن على طرق الإنجاز التقليدية، رغم انتشار وسائل الخياطة الحديثة، لأن اللمسة اليدوية تمنح العجار قيمته الجمالية والتراثية، لذلك فإن الحفاظ على العجار لا يقتصر على ارتدائه، بل يشمل أيضا صون الحرف والمعارف التي ارتبطت بصناعته عبر الأجيال.
ورغم غياب الملاية عن الحياة اليومية، فإنها لا تزال حاضرة بقوة في الأعراس، حيث تتوشّح بها العروس خلال خرجة حمام العروس، ويزين وجهها بالعجار، في مشهد يعيد إحياء طقوس توارثتها العائلات السطايفية منذ عقود، كما أصبحت الملاية والعجار من أبرز عناصر معارض اللباس التقليدي والتظاهرات الثقافية التي تحتفي بالتراث المحلي، في محاولة لترسيخ هذا الإرث في ذاكرة الشباب.
ولا تقتصر خصوصية اللباس التقليدي السطايفي على الملاية والعجار، بل تمتد إلى البنوار السطايفي المعروف محليا بـ«الزدف”، الذي يشكّل بدوره أحد أبرز رموز المنطقة، ويحضر بقوة في الأعراس والمناسبات الكبرى، ليعكس ثراء الموروث الثقافي الذي تزخر به عاصمة الهضاب العليا.
علامــــــة اجتماعيـــــــة وثقافيـة
تؤكد مديرة متحف الثامن ماي 1945 بسطيف، السيدة شادية خلف الله، أن الملاية تمتد جذورها إلى قرون مضت، وأن الرواية الأكثر تداولا تربط انتشار لونها الأسود بالحزن على مقتل صالح باي سنة 1792، وتشير إلى أن هذا الزي لم يكن مجرد لباس، بل علامة اجتماعية وثقافية ميزت المرأة السطايفية عن غيرها من نساء الشرق الجزائري، سواء في طريقة لف الملاية أو في شكل العجار المصاحب لها.
وتضيف أن الفن الشعبي احتفظ بصورة الملاية والعجار داخل الذاكرة الجماعية، من خلال فيلم “كحلة وبيضاء”، والأغاني التراثية التي لا تزال تتردد إلى اليوم، وفي مقدمتها الأغنية الشهيرة: “يا طالع سطيف.. ملاية ورديف.. طفلة عالكيف..”، وهي صورة تختزل المكانة التي احتلها هذا اللباس في وجدان أهل المدينة.
كما ترى أن التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع منذ تسعينيات القرن الماضي، وانتشار الألبسة المستوردة، وتغير أنماط اللباس، كلها عوامل أسهمت في تراجع استعمال الملاية، غير أن العجار أثبت قدرة لافتة على الاستمرار بعدما أعادت النساء توظيفه بما ينسجم مع اللباس العصري، فظلّ حاضرا في الحياة اليومية دون أن يفقد رمزيته.
جـــزء أصيـــل من الذاكـــرة الثقافيـــة
وتحذّر مديرة المتحف من أن اندثار الملاية لا يعني اختفاء قطعة قماش فحسب، وإنما ضياع منظومة كاملة من الحرف التقليدية المرتبطة بها، مثل فن الخياطة، وتقنيات لف الملاية، وصناعة العجار وتطريزه، وهي مهارات نسوية توارثتها العائلات السطايفية عبر أجيال طويلة، وتشكل جزءا أصيلا من الذاكرة الثقافية للمدينة.
ولا يزال العجار متوفرا في محلات الألبسة والإكسسوارات التقليدية بأسعار تناسب مختلف الفئات، وهو ما ساعد على استمرار حضوره داخل المجتمع السطايفي، وجعل كثيرا من النساء، وحتى بعض الوافدات إلى المدينة، يقبلن على ارتدائه احتراما لخصوصية المجتمع واعتزازا بجمال هذا الموروث.
مضاعفــــة الجهــــود لصــــون الملايــــة
وأمام هذه التحوّلات، يدعو المهتمون بالتراث إلى مضاعفة الجهود لإعادة الاعتبار للملاية والعجار، من خلال تنظيم المعارض، وورشات تعليم الخياطة والتطريز، وتشجيع الحرفيات، وتوثيق تقنيات صناعة هذا اللباس التقليدي، حتى لا تضيع مع مرور الزمن، وليبقى هذا الإرث حاضرا في وجدان الأجيال الجديدة.
وفي نهاية المطاف، تبقى الملاية والعجار أكثر من مجرد لباس تقليدي؛ إنهما مرآة لذاكرة مدينة كاملة، وعنوان لخصوصية اجتماعية وثقافية صنعتها قرون من التراكم الحضاري. وإذا كانت الملاية قد انسحبت بهدوء من الحياة اليومية، فإن العجار يواصل حضوره بوصفه شاهدا على قدرة التراث على التجدّد، ودليلا على أن الهوية لا تحفظ بالحنين وحده، وإنما بصون رموزها وحماية الحرف التي صنعتها، لتظلّ سطيف مدينة تعرفها تفاصيلها الصغيرة قبل معالمها الكبيرة.







