ترجل أستاذ الفلاسفة الدكتور عبد الرحمن بوقاف، عن عمر ناهز 75 عاما، بعد مسيرة حافلة كرّس فيها حياته لخدمة الفلسفة والبحث الأكاديمي، مخلفا رصيدا فكريا ومكانة مرجعية متميزة بالجامعة الجزائرية، وهو صاحب المشروع الفكري الذي ارتكز على إشاعة الروح التنويرية وتحرير الفكر، باعتبار الفلسفة مرآة تعكس تجربة الإنسان، كما ظلّ يؤكد على ضرورة قراءة التراث برؤية تتكامل مع الحداثة وتتطلع نحو المستقبل عبر البحث المستمر عن “النص التنويري المؤطر”.
ولد الفيلسوف عبد الرحمن بوقاف في الثالث والعشرين من يناير عام 1952 بمدينة بوسعادة بولاية المسيلة، وانتقلت أسرته مطلع ستينيات القرن الماضي إلى الجزائر العاصمة حيث زاول دراسته في مختلف المراحل التعليمية الأولى، ليتوّج هذه المرحلة بنيل شهادة الليسانس في الفلسفة من جامعة الجزائر عام 1977.
وفي إطار برنامج المنح الدراسية الموجهة لتكوين إطارات التعليم العالي، واصل الأستاذ بوقاف تحصيله العلمي في الولايات المتحدة الأمريكية، أين نال شهادة الماجستير في الفلسفة عام 1982، ثم توّج مساره النظري بشهادة الدكتوراه من جامعة جورج واشنطن عام 1987 بأطروحة مرجعية باللغة الإنجليزية تناولت موضوع وحدة الإنسان في فلسفة هيجل الشاب.
وعقب عودته إلى رحاب الوطن، آثر الدكتور بوقاف الاستقرار في حقل التدريس والتكوين الأكاديمي بقسم الفلسفة بجامعة الجزائر 2، مجسدا خيارا بيداغوجيا يعطي الأولوية لبناء العقول وتكوين أجيال الباحثين، والمشاركة في إرساء المؤسسات العلمية، وتولى مناصب علمية وإدارية متعدّدة مثل رئاسة القسم ورئاسة اللجنة العلمية، وسخّر جهوده لتأطير ومناقشة عشرات البحوث في الليسانس والماجستير والدكتوراه، ولم يكفّ عن تحفيز الطلبة على نشر الدرس الفلسفي وترسيخ الممارسة النقدية في الجامعة بدلا من التفرّغ للمسار الشخصي وتحقيق الشهرة الإعلامية.
يتأسس توجّه الدكتور بوقاف البيداغوجي ـ كما يصفه الدكتور فارح مسرحي – من قناعة راسخة ممتدة في تاريخ التفلسف العالمي، تجد سندها التاريخي عند كبار أعلام الفكر الإنساني الذين لم يتركوا مؤلفات ضخمة، لكنهم غيروا مجرى التفكير الإنساني، على غرار أرسطو، أو تشارلز بيرس الذي اكتفى بنشر المقالات المتفرقة، أو اللغوي السويسري فردينان دي سوسير الذي جمعت محاضراته بعد رحيله، لتشكّل المرجع التأسيسي للألسنية المعاصرة، ذلك أن قيمة المشتغل بالفلسفة تتحدّد ـ يقول مسرحي – بمدى قوة النصوص وقدرتها الإبستيمولوجية على الإقناع والنقد والتأثير في الوعي الاجتماعي، بصرف النظر عن حجم الإنتاج الكمي، علما أن أهم ما يميّز كتابات الدكتور بوقاف، التكثيف المتين، والصرامة المنهجية، متخذة من النقد وسيلة للتفكير والتنوير والتحرّر الحضاري.
الأصالة المصدرية وتوليد المفاهيم
سجّل الدكتور فارح مسرحي أن النص الفلسفي عند الدكتور بوقاف يتصف بخصائص إبستيمولوجية صريحة تعكس مرجعياته الأصيلة والمفتوحة؛ فهو يتجاوز الأدبيات الشارحة والدراسات المترجمة، ليعود مباشرة إلى المصادر التأسيسية بلغاتها الأصلية، وتضمّ قائمة إحالاته أسماء قامات الفكر من أمثال أرسطو، وجون لوك، وإيمانويل كانط، وفريدريش هيغل، وتوماس كوهن، إضافة إلى أعلام الفكر الإسلامي المعتزلة وابن رشد وابن خلدون، فضلا عن انفتاحه على نصوص الفيزيائيين الكبار أمثال إسحاق نيوتن وألبرت أينشتاين وفيرنر هايزنبرغ.
ولقد لاحظ الدكتور مسرحي الغياب شبه التام للمرجعية الفرانكفونية في النص البوقافي، لصالح التقليدين الأنجلوفوني والألماني، وهو ما منح أطاريحه استقلالية نادرة في المشهد الفكري الوطني، ويرجع هذا التوجّه المفهومي إلى جغرافية التكوين الأكاديمي بالولايات المتحدة الأمريكية، وإتقانه المعرفي للغة الإنجليزية، ما جعله يبتعد عن المناهج الفرانكفونية الشائعة في الأدبيات الجزائرية.
أما من الناحية المنهجية – يقول مسرحي – فيتوسّل بوقاف بالتحليل اللغوي الصارم، والجدل الهيغلي القائم على لحظات التطور المفاهيمي، إلى جانب استثمار العدة الإبستيمولوجية لتوماس كوهن ونقل مفاهيم الأزمة والثورة والباراديغم من حقل العلوم الدقيقة إلى الفضاء الاجتماعي والسياسي والديني.
وتبرز في نصوص بوقاف ـ يؤكد مسرحي – إرادة استثنائية لصناعة المفاهيم وتوليد النحوت المصطلحية المركبة التي تمنح خطابه بصمته الفلسفية الخاصة، وتتجلى هذه الأصالة المفهومية في نحته لمصطلحات متفردة، كاستعمال مفهوم “الأسكمة” (Schematism)، للتعبير عن قوالب التنظيم المعرفي وأطره التجريدية في الذهن، ومفهومي النص الغائب والنص السيد للتمييز بين النص التأسيسي والنص المهيمن المحتكر للحقيقة، ومفهومي النص الترقيعي والنص الشارح لوصف الأدبيات الاجترارية التي تعيد تكريس الواقع القائم، كما نحت مفاهيم المحرم المعرفي وكوجيتو الخوف لتشخيص مساحات التحريم الفكري وحالة الذعر الأنطولوجي المؤطرة للوعي، ومفهومي أنطولوجيا التستر والتقية الإبستيمولوجية لوصف آليات الهروب المعرفي والاحتفاء المظهري بالماضي، إضافة إلى مفاهيم السؤال الاختراقي، والاحتباس التنظيري، والحيوان الرامز، والحيوان التأويلي كتعريفات ثاقبة للوجود الثقافي الإنساني، وتظلّ الصفة النقدية هي الاستراتيجية المحورية الحاكمة لجميع مقالات بوقاف ومداخلاته، إذ يشكّل النقد عنده أداة لتحقيق الشفافية الموضوعية وإيجاد المسافة المعرفية الضرورية بين الذات القارئة والنص المقروء.
التنظير للتنوير
يقف الفيلسوف عبد الرحمن بوقاف عند المفارقة التاريخية الكبرى التي تميز الواقع الجزائري المعاصر، والمتمثلة في كيفية إنجاز المجتمع لثورة تحريرية عظمى طردت الاستعمار الاستيطاني، مقابل تعثره في بناء مشروع فكري ومؤسساتي صلب يؤطر الفاعلية التاريخية ويحمي المجتمع من التيه والارتباك، وتؤكد شواهد التاريخ أن أي حركة تاريخية لا تتأطر بوعي فلسفي حاسم، تتشتت بوصلتها وتستنزف إمكاناتها في حلول ترقيعية ظرفية.
ويرى بوقاف أن التجاوز الفعلي للعطالة الفكرية يمرّ عبر إنجاز النص الغائب؛ وهو النص التأسيسي المؤطر بقيم الحداثة والتنوير كالحرية والمواطنة والعقلانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، على غرار النصوص الكبرى التي أطرت النهضة الأوروبية، ويعبر الدكتور عبد الرحمن بوقاف عن هذه الإشكالية الحضارية قائلا:
«التنوير الإنجليزي وجد نصه في لوك ونيوتن اللذين أطرا عصر التنوير الإنجليزي، والانطلاقة الألمانية وجدت نصها في كانط، أما نحن فلم ننجز بعد هذا النص، وإذا ذكر في هذا السياق النص التراثي فليس هذا هو المقصود، لأنه هو نفسه موضوع محاكمة وتجاوز، ثم إن النص بالمعنى المذكور يكون عادة متجها نحو المستقبل.. إن فعاليتنا الفكرية كلها تبحث عن هذا النص الذي يمكن وصفه بـ: النص الغائب».
إن النص الإبداعي يولد من رحم الأزمة، بوصفها لحظة الوعي التي تفكك السائد وتفتح آفاق الانطلاق الحضاري المتجدد نحو بناء التنوير والمستقبل.
نقد الخطاب الحداثي العربي
يمتد نقد بوقاف، بالصرامة نفسها، ليشمل الخطاب الحداثي العربي المعاصر، مستبينا تهافت طروحاته، وغياب الإبداع الفلسفي الحقيقي فيه، ويؤكد أن رواد التنوير والتحديث العرب منذ عصر النهضة، أمثال شبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى، كانوا ينطلقون من حماس إيديولوجي يفتقر إلى التنظير العميق في المباحث الفلسفية الأساسية، كالمنطق، والإبستيمولوجيا، والجماليات، والأخلاق.
ويحلل بوقاف – بكفاءة عالية – المشاريع الفكرية المعاصرة التي انكفأت على قراءة التراث وغربلته كمشاريع حسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وطيب تيزيني، ويرى أن استراتيجية غربلة التراث تبطن بذور فشلها في ذاتها، لأن اتساع المدونة التراثية جعل تصفيتها أمرا متعذرا، ما أدى إلى إعادة إنتاج الأزمة وتجميع التراث برمته مجددا على الساحة، يضاف إلى ذلك انغلاق كل مشروع على ذاته وانعدام التفاعل النقدي البيني، ما كرس قطيعة عميقة بين النظر الفلسفي والمتلقي الاجتماعي.
وفي تشخيصه البنيوي للوضع المعرفي، يحدّد بوقاف ثلاثة أطواق مكبلة للفكر الفلسفي في مجتمعاتنا تمنع انبثاقه وحركيته النقدية، أولها الطوق الإبستيمولوجي المعرفي الناجم عن تقاسم المعرفة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وتهميش الفلسفة وتجريدها من موضوعها المؤسساتي والجامعي، أما الطوق الثاني فيتجسد في الحجر على الفكر النقدي، وتوظيف المفكرين في أدوار تبريرية سكونية، بينما يبرز الطوق الديني بوصفه أعتى الأطواق، حيث تجند أسلحة التكفير والتبديع ضد الفكر الحر، لمنع تجاوز المساحات المحددة، وتكريس الوصاية على العقول.
وللخروج من هذه الهوة البنيوية، يدعو بوقاف إلى التحرّر والبحث عن المتلقي الاجتماعي، وإنجاز تحولين أساسيين: تحول نظري ينتقل بالفكر من سؤال الحقيقة إلى سؤال المعنى، وتحول عملي ينقل الفاعلية من المحرم إلى الجائز والتنوع والتسامح.
تقويض الرموز.. خطر
يقدم عبد الرحمن بوقاف زحزحة مفهومية للتعاريف التقليدية السكونية للإنسان ككائن عاقل أو حيوان ناطق، متبنيا المفهوم الثقافي والتاريخي الأكثر حركية المتمثل في مقولة الإنسان حيوان رامز، فالرمز في أبعاده الدينية واللغوية والفنية والسياسية هو الأداة التي يحدث بها الإنسان المسافة المعرفية الضرورية بينه وبين الواقع، ما يسمح بتحويل هذا الواقع إلى موضوع للدراسة والنقد والتغيير الحضاري المستمر.
من هذا المنطلق المعرفي، يحذر الدكتور بوقاف شديد التحذير من الممارسات الهدامة الشائعة تحت دعاوى حرية التعبير، والمتمثلة في تخوين الرموز الوطنية والفكرية والتاريخية والتطاول عليها دون استيعاب الظروف التاريخية التي أحاطت بسيرتهم؛ ذلك أن تقويض الرموز الحقيقية والتاريخية للأمة يسبب فراغا أنطولوجيا خطيرا يفكك التماسك المجتمعي، فتتقدم الرموز المزيفة لتشغل الفضاء التداولي.
إن البناء الحضاري يتطلب استنفار السؤال الذي يخترق النسيج الاجتراري ويولد آليات مفاهيمية تحرك الوعي، مستنفرة اللغة للتعبير عن الممكنات المستقبلية، ويصوغ بوقاف هذا الرهان الفلسفي الذاتي بالدعوة إلى تأصيل التفكير الوطني:
سمة الإرجاء ومصير التنوير
ينتهي تحليل الدكتور فارح مسرحي للنص البوقافي إلى إبراز القيمة الاستثنائية التي يحوزها هذا المشروع الفلسفي في المشهد الفكري الجزائري، بالرغم من قلة المُنْتَج المكتوب واقتصاره على مقالات ومداخلات نادرة مكتنزة، غير أن هذه الممارسة النقدية الصارمة تظل بدورها قابلة للقراءة والنقد العلمي، إذ يُلاحظ على كتابات بوقاف حضور ظاهرة إبستيمولوجية تكرّرت في أغلب أوراقه الفكرية، وهي ظاهرة الإرجاء والتأجيل لمناقشة بعض التفريعات المفهومية والإشكاليات الثانوية، إذ كثيرا ما يعمد بوقاف إلى استخدام عبارات من قبيل: “وهو خلاف لا يعنينا في هذا السياق”، أو “إن اتجاه هذه الورقة لا يسمح بإحاطة هذا المفهوم”، أو “هذا أمر قد يستدرجنا الحديث فيه إلى إشكاليات أخرى تتجاوز ترتيب المقام”.. وإن هذا الإرجاء المتكرر، وإن كان يجد مبرره في ضيق الفضاء المناسباتي للأوراق البحثية، يحرم المتلقي من إجابات وتفريعات خصيبة كان بمقدور هذا الفيلسوف تفكيكها وتوضيحها لإثراء المكتبة الفلسفية الوطنية بآلاف الصفحات الإضافية.
إن الدكتور عبد الرحمن بوقاف، سيبقى نموذجا استثنائيا للفيلسوف المنقب في عوائق الوعي، الشجاع إبستيمولوجيا في مواجهة المحرمات الفكرية والأطواق التكبيلية، بمتانة جهازه المفاهيمي، وأصالة مرجعياته المصدرية، وصرامة مطرقته النقدية، تجعل من نصوصه أرضية صلبة لاستئناف التفلسف، والارتقاء بالفكر العربي والجزائري من مرحلة التبرير إلى آفاق التنوير والتحرر وبناء المستقبل.







