الشراكـة المحليــــة بــــين المؤســــسات قاطــــرة حقيقــــية للنمـو المستدام
انخرط القطاع الخاص بقوة في المسار التنموي سواء تعلق الأمر بشق المسارات التصديرية والاستعداد في آفاق عام 2030 لتصدير ما يناهز 30 مليار دولار خارج قطاع المحروقات، إلى جانب بناء شراكات إستراتجية مع شركات عمومية لتفعيل المنظومة الاقتصادية عبر تطوير الآلة الإنتاجية، ويتضاعف دور هذا القطاع بفعل إصلاحات عميقة تشهدها المنظومة المصرفية. ويرتقب أن يفضي كل ذلك إلى بروز شراكات مبتكرة وصناعات إستراتجية، لأن الشراكة المحلية بين المؤسسات تعد قاطرة للنمو المستدام.
تتجلى الديناميكية الاقتصادية الجديدة بوضوح في اللقاء الاستراتيجي الذي جمع مؤخراً بين مجمع سوناطراك ومجمع سواكري، والذي لم يكن مجرد اجتماع روتيني، وإنما يمثل نموذجا حيا للشراكة المثمرة والناجحة بين القطاعين العام والخاص.
لأن التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل تصنيع أغشية التناضح العكسي لمحطات تحلية المياه، وإنتاج مادة الفورمالديهايد، وتبني حلول الاقتصاد الدائري وتقنيات التقاط الكربون، يعكس قفزة نوعية في الأداء الاقتصادي الوطني. كما أنه لم تعد الشراكة تقتصر على الاستغلال التقليدي للموارد، وإنما امتدت لتشمل نقل التكنولوجيا، توطين الصناعات الإستراتيجية، وضمان الأمنين المائي والطاقوي، مما يرسخ مفهوم السيادة الصناعية والتكنولوجية كركيزة أساسية للاقتصاد الجزائري الحديث.
تعزيـز المحتـــــوى المحلي
وتندرج هذه الشراكات الناجحة في إطار مساعي الدولة الحثيثة لتوفير بيئة تشريعية ومؤسساتية جاذبة وشفافة، حيث قطعت الجزائر أشواطا كبيرة في ترسيخ ثقافة الشراكة عبر القانون العضوي للمالية وقانون الاستثمار الجديد، اللذين وفرا أرضية صلبة وحوافز مشجعة.
وعلى الصعيد الميداني، أثبتت الجزائر قدرة عالية على استيعاب نماذج الشراكة الحديثة وتطبيقها بنجاح في قطاعات حيوية، على غرار قطاع تحلية مياه البحر عبر عقود الامتياز، وقطاعات إدارة المياه والموانئ، مما يشكل دليلا قاطعاًعلى جدوى هذا النموذج الاقتصادي. ومع ذلك، فإن الوعي التام بالتحديات القائمة، وعلى رأسها تطوير المنظومة البنكية لتمويل المشاريع طويلة الأجل، يعكس فعالية في التعاطي مع الملف الاقتصادي. ومعالجة كل ذلك يمثل خطوات استباقية ضرورية لتحرير الطاقات الكاملة للشراكة وجعلها قاطرة حقيقية للنمو المستدام.
وفي الوقت الراهن تمثل الجزائر ورشة مفتوحة لبناء اقتصاد منتج ومتنوع، يعتمد على التكامل الذكي بين ثقل وموارد الشركات العمومية، ومرونة وابتكار القطاع الخاص. ويأتي التوقيع على مذكرات التفاهم لإطلاق مشاريع صناعية مبتكرة، مدعوما بإصلاحات قانونية ومصرفية شاملة، ليرسم ملامح مستقبل اقتصادي واعد. فمن خلال توطين التكنولوجيا، تعزيز المحتوى المحلي، والانفتاح على أسواق التصدير العالمية، تؤكد الجزائر أن مسار التحول الاقتصادي الذي تنتهجه، هو إستراتيجية راسخة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، وخلق ثروة مستدامة، وضمان مكانة اقتصادية مرموقة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ويذكر أن الانخراط القوي للقطاع الخاص في المسار التنموي يشكل نقطة تحول جوهرية في تاريخ الاقتصاد الجزائري، حيث تنتقل الدولة إلى نموذج اقتصادي قائم على الإنتاج والابتكار والتصدير. وبينما الشراكة الإستراتيجية بين سوناطراك وسواكري، وما تنتجه من مشاريع صناعية مبتكرة في مجالات تحلية المياه والصناعات البتروكيميائية والاقتصاد الدائري، تمثل نموذجا حياً لما يمكن أن تحققه الإرادة الوطنية عندما تلتقي كفاءة القطاع العام بديناميكية القطاع الخاص.
اقتصــاد تنافسي يقتنص الـفرص
وإن الجزائر التي تتطلع إلى تصدير 30 مليار دولار خارج قطاع المحروقات في آفاق 2030، هي رؤية إستراتيجية متكاملة تقوم على بناء قدرات إنتاجية حقيقية، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات ذات القيمة المضافة العالية. ومع تطوير المنظومة المصرفية، وإدارة جيدة للمشاريع، تكون الجزائر قد وضعت لبنات أساسية صلبة لاقتصاد تنافسي قادر على مواجهة التحديات العالمية واقتناص الفرص الإقليمية.
وكل ما ينجز اليوم من شراكات ومشاريع صناعية، هو بداية ناجحة وهامة لمسار واعد من التحول الاقتصادي الشامل، حيث ستصبح الجزائر في المستقبل القريب قطبا صناعيا وطاقويا ومائيا إقليميا، يصدر السلع والخدمات، وكذلك الخبرات والتقنيات. وعلى ضوء ذلك تثبت الجزائر أن التحول الاقتصادي الحقيقي يتحقق بالشراكة الفاعلة، والابتكار المستمر، والقناعة العميقة الراسخة بأن المستقبل يبنى بأياد جزائرية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والموارد إلى ثروة مستدامة للأجيال القادمة.
تعرف الجزائر اليوم تغيرا جذريا وتاريخيا في الحياة الاقتصادية، بفضل رسم معالم اقتصاد المستقبل، المرتكز على استحداث الثروة عبر ثورة اقتصادية تعتمد على المورد البشري والابتكار في مختلف القطاعات الحيوية الإنتاجية وعلى المدى المتوسط يمكن جني ثمار الجهود المبذولة والمسار المنتهج.



