سلسلة اقتصادية صغيرة تمنح عشرات الأسر موردا ماليا إضافيا
لم يكن الطريق المؤدي إلى مقطع الأزرق، مساء السبت الفاتح أوت 2026، مجرّد رحلة نحو أحد أشهر المواقع الطبيعية بولاية البليدة، فقد كان انتقالا تدريجيا من صخب المدينة إلى هدوء الجبال، حيث تتغير ملامح المكان كلما اقتربنا من “مقطع الأزرق”.
يتميز مقطع الأزرق بخصوصية قلّما تجتمع في مكان واحد، فهو ليس مجرد فضاء للاستجمام، بل يحتضن المجمع المائي الذي يزود سكان أربع بلديات بالمياه الصالحة للشرب في ولاية البليدة، وهي حمام ملوان، بوعينان، بوقرة وأولاد سلامة. ويقطع هذا المجمع مجرى واد العش، القادم من مرتفعات الشريعة، قبل أن يواصل الماء رحلته عبر الوادي، في مشهد يجمع بين أهمية المنشأة الحيوية وسحر الطبيعة التي تحيط بها من كل جانب.
وبمحاذاة هذا المجمع، تتدفّق المياه بغزارة لتشكّل بركا بل مسابحا طبيعية يقصدها المصطافون منذ الساعات الأولى للصباح وحتى المساء، فيما تتحول ضفاف الوادي خلال موسم الاصطياف إلى قرية سياحية صغيرة تنبض بالحركة.
”العشة”.. غرفة صيفية تحت الأشجار
مع الوصول إلى مقطع الأزرق التابعة إداريا لحمام ملوان، كان أول ما يلفت الانتباه عشرات الخيام التقليدية، أو ما يعرف محليا بـ “العشة”، المنتشرة على امتداد ضفاف الوادي. استأجرنا واحدة منها مقابل 500 دينار فقط، لنكتشف أن هذه الخيمة البسيطة تختصر فلسفة المكان؛ سقف من القصب أو القماش، وظلال أشجار باسقة، ونسيم بارد ينزل من الجبال، ومياه صافية لا تبعد سوى خطوات قليلة.
قضينا ساعات ممتعة برفقة الأطفال، وهم يسبحون في أحواض طبيعية لا يتجاوز عمق معظمها مترا واحدا، الأمر الذي يجعلها مناسبة للعائلات الباحثة عن الأمان والراحة أكثر من المغامرة. ولعل أكثر ما يميز مقطع الأزرق أنه أصبح الوجهة المفضلة للعائلات المحافظة، إذ تجد النساء فيه فضاء يحترم الخصوصية والحشمة، فينزلن إلى المياه برفقة أطفالهن بعيدا عن مظاهر الازدحام التي تعرفها بعض الفضاءات الأخرى. حتى إن الرجال يفضلون السباحة بعيدا، في زوايا هادئة، تاركين أغلب المساحات للعائلات، في مشهد يعكس طبيعة المكان وثقافة رواده.
مصــــدر رزق
لا يقتصر أثر السياحة في حمام ملوان على الترفيه، بل يمتد إلى معيشة السكان. فمع بداية كل صيف ينصب عشرات الشباب خياما للكراء بأسعار تتراوح بين 500 و700 دينار، لتصبح مصدر دخل موسمي لعائلات كثيرة.
ولا تتوقف فرص العمل عند هذا الحد، إذ كان الأطفال يتجولون بين المصطافين حاملين الفطير الساخن، ونبتة “الزعيترة” التي تستخدم في الطهي، وحلوة “البيني “، بينما يواصل آخرون بيع المشروبات والمياه الباردة. إنها سلسلة اقتصادية صغيرة، لكنها تمنح عشرات الأسر موردا ماليا إضافيا، خاصة في منطقة جبلية لا تتوفر فيها فرص العمل الدائمة بالقدر الكافي.
التقــــاء ثلاثــة أوديـــة… ولوحـــة طبيعيـــــة مفتوحــة
على امتداد نحو نصف كيلومتر، يواصل واد العش جريانه حتى يلتقي بوادي “لاخرة” وسط التجمع السكني لمقطع الأزرق، علما أن هذ الأخير يستقبل مياه واد بومعان الذي تقطعه الطريق المؤدية إلى مرتفعات السباغنية الواقعة بالقرب من الحدود مع ولاية المدية، وتعانقه جبال يما حليمة القرية المهجورة التي استقرت بعض القبائل البليدية في سنوات خلت.
وعلى ضفاف هذه المجاري المائية، نصب شباب آخرون خياما جديدة، فيما اختار أحد أبناء المنطقة استثمار أرض ورثها عن أجداده على حواف واد بومعان، فأنشأ منتجعا طبيعيا بسيطا يعتمد على جمال الطبيعة أكثر من الإسمنت، وأخذ يروج له عبر صفحات “فايسبوك”، مستقطبا عشاق السياحة البيئية الباحثين عن الهدوء وصفاء المكان.
ســـــوق مفتوحـــــة بنكهـــة الريـف
غير بعيد عن مسجد طارق بن زياد، الذي ما تزال أشغال توسعته متواصلة، تصطف طاولات بيع الفواكه الموسمية. فقد انتهى موسم المشمش والبرقوق، وبدأ موسم التين والتين الهندي، بينما يواصل باعة الخضر عرض منتجاتهم القادمة من البساتين المجاورة.
وفي زاوية أخرى، تنبعث رائحة الكسرة التقليدية التي تعدها بعض العائلات طوال أيام السنة، بعدما حولتها إلى نشاط يضمن لها موردا ثابتا، يزداد انتعاشا خلال موسم الاصطياف. كما لفت انتباهنا شاب نصب خيمة صغيرة بمحاذاة المجمع المائي، خصّصها لبيع التحف والأواني الفخارية، مستغلا كثافة الزوار الراغبين في اقتناء تذكارات تحمل روح المكان، دون الحاجة إلى التنقل نحو محلات حمام ملوان.
استراحـــة في حضــن الطبيعــة
وبينما كنا نستمتع بهدوء المكان داخل خيمتنا، وصلت مجموعة من أعضاء المكتب الوطني لجمعية “سواعد الإحسان”. نزلوا إلى الوادي، واستمتعوا بالمياه العذبة، قبل أن يفترشوا الأرض لتناول وجبة جماعية وسط الطبيعة، وكانت الأغلبية من النساء اللواتي وجدن في المكان فضاء مثاليا للراحة والاستجمام.
وفي الجهة المقابلة، سألنا أحد السياح عن المسبح الذي شاهده عبر “فايسبوك”، فأخبرناه بأنه يقع غير بعيد عن الموقع، بمحاذاة بيت الشباب بحمام ملوان، الذي يستقبل الوافدين في رحلات جماعية أو فردية بأسعار رمزية لا تتجاوز 500 دينار لليلة. أمّا من تعذّر عليه الحجز هناك، فيمكنه الإقامة ببيت الشباب بمدينة بوقرة، التي تبعد ثمانية كيلومترات فقط عن حمام ملوان، بعدما خضع قبل عامين لإعادة تهيئة شاملة منحته حلة جديدة.
لم تطفـــئ عشـق المكـــان
ورغم أن السلطات العمومية شرعت في تعويض العائلات التي تضرّرت من الحرائق الأخيرة، يبقى سؤال آخر يفرض نفسه أمام المشاهد المؤلمة للأشجار المتفحمة: من يعوض هذا الجمال الطبيعي الذي فقدته المنطقة؟ لقد أصابت النيران جزءا من الثروة الغابية التي كانت تشكل الخلفية الساحرة لحمام ملوان، وهي خسارة لا يمكن تعويضها في أشهر أو حتى سنوات قليلة.
ويرى ناشط جمعوي التقيناه بعين المكان أن مستقبل السياحة الجبلية يمر عبر تجسيد مشاريع تنمية ريفية حقيقية، تسمح بإشراك سكان المناطق الجبلية في النشاط السياحي طوال السنة، لا خلال موسم الصيف فقط، سواء من خلال الصناعات التقليدية، أو الإرشاد السياحي، أو الاستثمار في الإيواء الريفي والمنتجات المحلية.
فحمام ملوان لا تحتاج إلى اختراع مقومات جديدة للسياحة، لأنها تمتلكها بالفعل؛ مياه جارية، وغابات، وجبال، وهدوء، وإنسانا عرف كيف يحول بساطة المكان إلى فرصة للعيش الكريم. وما تحتاجه اليوم هو حماية هذا الإرث الطبيعي من الحرائق، حتى تبقى الأودية الباردة شاهدة على جمال لا تصنعه إلا الطبيعة.






