تكريــس منــاخ الأعمــال وتوفــير ضمانــــــات قانونيــة أكـــــبر للمتعاملـــين
ركيــــزة أساسيــــة لتوحيـــد إستراتيجيــة الدفــاع عــن مصالح الدولة
في خطوة تعكس توجّها جديدا نحو تعزيز الأمن القانوني للاستثمار، أقرّت الجزائر إنشاء المديرية العامة للتحكيم الدولي، التابعة مباشرة لمصالح الوزير الأول، لتتولى إدارة ملفات المنازعات الدولية وتمثيل الدولة أمام هيئات التحكيم المختصة، في إطار إصلاح مؤسّساتي يرمي إلى تعزيز حماية المصالح الاقتصادية الوطنية، وتحسين مناخ الأعمال، وتوفير ضمانات قانونية أكبر للمستثمرين، بالتزامن مع تنامي المشاريع الكبرى والشراكات الاقتصادية الدولية.
تشكّل الهيئة ركيزة أساسية لتوحيد استراتيجية الدفاع عن مصالح الدولة، والحدّ من المخاطر القانونية، والارتقاء بجودة العقود الاستثمارية، بما يعزّز جاذبية الجزائر للاستثمار الأجنبي، ويرسّخ ثقة المتعاملين الاقتصاديّين في المنظومة القانونية الوطنية.
وأوضح الخبير الاقتصادي، نبيل جمعة، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ المرسوم التنفيذي رقم 26-270، الصادر في العدد 56 من الجريدة الرّسمية، أسّس لمديرية عامة للتحكيم الدولي تتبع مباشرة مصالح الوزير الأول، وهو ما يعكس المكانة الاستراتيجية التي بات يحتلها ملف التحكيم الدولي، في ظل توجّه الجزائر إلى تعزيز جاذبية الاستثمار وحماية مصالحها الاقتصادية.
كما أكّد أنّ المديرية تتمتّع باختصاص حصري في ملفات التحكيم الدولي، خاصة النزاعات المتعلقة بالاستثمار، سواء تلك التي تنشأ بين الدولة والمستثمرين الأجانب بشأن استثمارات محمية بموجب معاهدة دولية أو قانون وطني أو عقد استثماري، أو النزاعات التي تكون الدولة أو الجماعات المحلية أو الهيئات والمؤسّسات العمومية طرفا فيها، إضافة إلى النزاعات ذات الطابع التجاري التي يكون أحد أطرافها أجنبيا، بما في ذلك القضايا التي تخص المؤسّسات والهيئات العمومية والجماعات المحلية وبعض المؤسّسات المالية والبنوك، بما يضمن معالجة هذه الملفات في إطار مؤسّساتي موحّد ومتخصّص.
وأضاف أنّ المديرية ستتولى رسم وتنفيذ السياسة الوطنية في مجال التحكيم الدولي، وتمثيل الدولة الجزائرية والدفاع عن مصالحها أمام مختلف هيئات التحكيم، سواء خلال مرحلة التسوية الودية أو أثناء إجراءات التحكيم، إلى جانب متابعة تنفيذ الأحكام التحكيمية النهائية، بما يعزّز كفاءة إدارة المنازعات الدولية ويوفّر حماية أكبر للمصالح الاقتصادية الوطنية.
بنـاء الثقــة ومواكبـــــة أفضــل الممارســات الدوليــــة
أكّد جمعة أنّ إنشاء المديرية العامة للتحكيم الدولي يمثل خطوة مؤسّساتية واستراتيجية في مسار تحديث منظومة الاستثمار بالجزائر، باعتبارها تنقل إدارة منازعات الاستثمار والتحكيم الدولي إلى هيئة متخصّصة تتبع مباشرة مصالح الوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، بما يعكس الأهمية التي توليها الدولة لحماية مصالحها الاقتصادية.وأوضح أنّ توحيد معالجة ملفات التحكيم ضمن هيئة واحدة، من شأنه تعزيز فعالية الدفاع عن الحقوق والمصالح الاقتصادية للدولة، وضمان انسجام المواقف بين مختلف الإدارات والقطاعات، فضلا عن المساهمة في إعداد مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بتسوية المنازعات الدولية.
وأشار إلى أنّ من أبرز المهام التي أسندها المرسوم إلى المديرية مرافقة الإدارات والمؤسّسات العمومية والجماعات المحلية في إعداد وصياغة العقود المبرمة مع الشركاء الأجانب، بما يعزّز سلامة الالتزامات التعاقدية، ويحدّ من المخاطر القانونية التي قد تؤدي إلى نزاعات مستقبلية، إلى جانب ضمان التنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية والإدارات المعنية بالنزاعات، والتفاوض والتوقيع، باسم الدولة، على اتفاقيات التسوية الودية وفقا للتشريع الوطني والاتفاقيات الدولية.
وشدّد الخبير الاقتصادي على أنّ تمكين المديرية من الاستعانة بمحامين ومستشارين وخبراء وطنيّين وأجانب يمثل مكسبا مهما، لأنه يوفّر أعلى مستويات الخبرة الفنية والقانونية في إدارة ملفات التحكيم الدولي، ويعزّز قدرة الجزائر على حماية مصالحها الاقتصادية، ويواكب المعايير والممارسات الدولية المعتمدة في هذا المجال، بما ينسجم مع الإصلاحات التي تعرفها المنظومة الاستثمارية في البلاد.
وأضاف أنّ اختصاصات المديرية لا تقتصر على منازعات الاستثمار، وإنما تمتد إلى النزاعات التجارية التي تكون فيها الهيئات والمؤسّسات العمومية أو الجماعات المحلية طرفا إلى جانب متعامل أجنبي، كما ستتكفّل بمتابعة إجراءات التحكيم المرفوعة ضدّ الدولة والعمل على تنفيذ الأحكام التحكيمية النهائية في آجال معقولة، بما يرسّخ فعالية الأداء المؤسّسي في إدارة هذا النوع من القضايا.
وأكّد أنّ من أهم مكاسب المرسوم توحيد استراتيجية الدفاع عن مصالح الدولة وهيئاتها ومؤسّساتها العمومية، وضمان انسجام مختلف المتدخّلين في إدارة ملفات التحكيم، مع تمكين المديرية من الاستعانة بالخبرات الوطنية والدولية كلما اقتضت طبيعة القضايا ذلك، بما يعزّز كفاءة الدفاع عن الحقوق الاقتصادية للجزائر أمام هيئات التحكيم الدولية.
ويرى جمعة أنّ إنشاء المديرية العامة للتحكيم الدولي ستكون له انعكاسات مباشرة على تحسين مناخ الاستثمار والأعمال، باعتبارها تمثل مخاطبا مؤسّساتيا موحّدا ومتخصّصا في إدارة منازعات الاستثمار والتحكيم الدولي، بما يحد من تضارب المواقف بين الإدارات والمؤسّسات المختلفة، ويوفّر وضوحا أكبر في آليات معالجة النزاعات.
تقليــص المخاطــــر وتحـســـين جـــودة العقـود
أوضح محدثنا أنّ هذه الخطوة ستُسهم في تقليص المخاطر القانونية، وتسريع تسوية النزاعات، وتحسين جودة العقود الاستثمارية منذ مرحلة التفاوض، وهو ما يقلّل من احتمالات اللّجوء إلى التحكيم الدولي مستقبلا، ويخفض الأعباء المالية التي قد تتحملها الخزينة العمومية نتيجة التعويضات أو الأحكام الصادرة ضدّ الدولة، فضلا عن تعزيز الصورة القانونية والاستثمارية للجزائر لدى الهيئات والمؤسّسات الدولية.وأضاف أنّ المديرية ستساهم، على المدى المتوسط والبعيد، في تعزيز جاذبية الجزائر للاستثمار الأجنبي المباشر، من خلال توفير قدر أكبر من الأمن القانوني والشفافية وتحسين بيئة الأعمال، لافتا إلى أنّ المستثمر الدولي يبحث، قبل كل شيء، عن وضوح القواعد القانونية، وسرعة الفصل في النزاعات، ووجود مؤسّسات متخصّصة تمتلك الكفاءة والخبرة الكافية لحماية الحقوق وضمان تنفيذ الالتزامات، وفقا للمعايير الدولية.وأشار إلى أنّ الجزائر تمتلك تجربة سابقة في مجال التحكيم التجاري والدولي، مذكّرا بوجود مكتب للتحكيم الدولي كان ينشط في إطار الغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة.وخلص الخبير الاقتصادي، الذي سبق له أن كان عضوا في هيئات متخصّصة في التحكيم في مجالي الاستثمار والتجارة الخارجية، إلى أنّ استحداث المديرية العامة للتحكيم الدولي يمثل فرصة لإحياء هذا المسار المؤسّساتي، والاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية، بما يعزّز جودة العقود التجارية والاستثمارية، ويرفع كفاءة التفاوض مع الشركاء الأجانب، ويسرّع تسوية المنازعات الدولية، سواء بالنسبة للمستثمرين أو البنوك أو مختلف المتعاملين الاقتصاديّين، بما يخدم تنافسية الاقتصاد الوطني ويعزّز ثقة المستثمرين في البيئة القانونية الجزائرية




