الفريــق أول شنڤريحــة.. الدولة لن تتخلّى عـن أبطالها الصناديـد
قامــات مــن نــــور قدّمـــوا أجسادهم قربانــاً علــى مذابح الكرامة
«سفراء الفداء».. تكريم التضحيات وتخليــــد بطــولات وملامـــــح تاريخيـة
وقفــة عرفــــان وامتنـــان لصنّــاع المجــــد وحمـــاة الوطـــــن
حملت كلمة الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، خلال الحفل الرّسمي الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلّحة، وزير الدفاع الوطني، في «يوم الجيش» ببني مسوس، رسائل ودلالات تجاوزت كونها كلمة تكريمية؛ فهي تمثل وفق متابعين، وثيقة تؤكّد أن الوفاء لتضحيات أبناء الوطن يشكّل ركيزة من ركائز الأمن الوطني، وأنّ قوة الجزائر لا تستند فقط إلى قدراتها العسكرية، بل أيضاً إلى تماسك جبهتها الداخلية، وترسّخ قيم الوفاء، وحماية ذاكرتها الوطنية، وتعزيز الثقة بين الشعب ومؤسّسات الجمهورية.
تعكس الكلمة رؤية استراتيجية تعتبر أنّ الاستثمار في الإنسان والذاكرة الوطنية، يمثلان أحد أهم مقوّمات استدامة الأمن والاستقرار وتعزيز مكانة الجزائر إقليمياً ودولياً، حيث تأتي كلمة الفريق أول السعيد شنقريحة، خلال تكريم مصابي الواجب وأسر الشهداء، ليؤكّد استمرار النهج الذي تتبناه المؤسّسة العسكرية في ترسيخ ثقافة الوفاء لمن صنعوا أمن الجزائر واستقرارها، وإبراز المكانة التي يحتلها العنصر البشري في المنظومة الدفاعية الوطنية.
ولئن حملت الكلمة بعداً إنسانياً واضحاً من خلال الاحتفاء بمصابي الواجب وأسر الشهداء، فإنه تضمّن في الوقت ذاته رسائل استراتيجية متعدّدة، تؤكّد أنّ حماية الذاكرة الوطنية تعد جزءاً لا يتجزأ من حماية الأمن الوطني، وأنّ صون تضحيات رجال الجيش هو امتداد طبيعي لمسار بناء الدولة الجزائرية الحديثة.
واستهل رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي كلمته، بالتأكيد على ضرورة «وضع حدّ لآفة النسيان»، وهي عبارة تؤسّس لإحدى أهم الركائز الفكرية للدولة، إذ تجعل من الذاكرة الوطنية مسؤولية جماعية، وترفع الوفاء للمضحّين من مستوى الواجب الأخلاقي إلى مستوى الالتزام الوطني. فالدولة، وفق هذا التصور، لا تبني مستقبلها إلا بحفظ تاريخها والاعتراف بمن أسهموا في حماية مؤسّساتها وصيانة وحدتها الترابية، خلال سنوات مكافحة الإرهاب.
وحملت كلمة الفريق أول رمزية هادفة، استندت إلى صور بلاغية قوية مثل «سفراء الفداء»، و»قامات من نور»، و»قدّموا أجسادهم قرباناً على مذابح الكرامة»… هذا التوظيف يؤدّي وظيفة اتصالية تتمثل في تحويل التضحيات الفردية إلى ذاكرة جماعية، وترسيخ صورة الجندي باعتباره رمزاً للعطاء والتجرّد والإخلاص للوطن.
كما ربطت الكلمة بصورة مباشرة بين التضحيات التي قدّمها أفراد الجيش الوطني الشعبي خلال العشرية الدامية، وبين حالة الأمن والاستقرار التي تنعم بها الجزائر اليوم. ويبرز هذا الربط رؤية المؤسّسة العسكرية التي تعتبر أنّ الانتصار على الإرهاب لم يكن مجرّد نجاح أمني، وإنما محطة مفصلية أسهمت في الحفاظ على الدولة الوطنية ومنع انهيار مؤسّساتها وإفشال المخطّطات التي استهدفت وحدة البلاد وسيادتها.
وفي سياق متّصل، تمّ إبراز البعد الاجتماعي للدولة من خلال التأكيد على أنّ رعاية مصابي الواجب وأسر الشهداء تمثل التزاماً دائماً، وليس مجرّد إجراء تضامني ظرفي. ويعكس ذلك حرص القيادة العليا للجيش على تكريس مبدأ الاعتراف بالتضحيات، بما يعزّز الثقة بين المؤسّسة العسكرية ومنتسبيها، ويؤكّد أنّ الوفاء لمن خدموا الوطن يبقى سياسة ثابتة للدولة الجزائرية.
معركـــة الوعــــي..
كما وجّه رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، رسائل جريئة، حيث شدّد على أنّ مصابي الواجب، رغم ما تحمّلوه من آلام ومعاناة، رفضوا أن تتحول تضحياتهم إلى وسيلة تستغلها الأطراف المعادية للإساءة إلى الدولة أو التشكيك في مؤسّساتها.
ويكشف هذا المضمون برأي مراقبين، عن إدراك المؤسّسة العسكرية لأهمية الحرب الإعلامية وحرب المعلومات، ويؤكّد أنّ معركة حماية الوطن لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث أصبح الوعي الوطني أحد أهم عناصر الدفاع عن الدولة.
ومن الأبعاد الرمزية التي اكتستها كلمة الفريق أول، هي توجيه التحية إلى المجاهدين وأعضاء جيش التحرير الوطني، إلى جانب مستخدمي الجيش الوطني الشعبي العاملين والمتقاعدين، ولا سيما المرابطين على الحدود. ويعكس هذا الربط استمرارية المدرسة الوطنية في الدفاع عن الجزائر، ويؤكّد أنّ الجيش الوطني الشعبي يواصل حمل الرسالة نفسها، التي أسّس لها جيش التحرير الوطني، والمتمثلة في حماية السيادة وصون الاستقلال والدفاع عن وحدة التراب الوطني.
تماسك الجبهة الداخلية.. ركيزة الأمن
من أبرز الرسائل التي حملتها الكلمة تأكيد الفريق أول، على أهمية تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة مختلف التهديدات. فقد قدّم رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي صورة متكاملة لعناصر القوة الوطنية القائمة على وحدة الشعب ومؤسّسات الدولة والجيش، معتبراً أنّ هذا التلاحم يشكّل الحصن الحقيقي، الذي يحول دون نجاح أية محاولات تستهدف استقرار الجزائر أو النيل من أمنها.
من جهة أخرى، مزجت الكلمة بين البعد الإنساني والبعد المؤسّساتي؛ إذ خاطب وجدان المواطنين باستحضار تضحيات الشهداء ومصابي الواجب، وفي الوقت نفسه بعث رسائل طمأنة بشأن جاهزية الجيش الوطني الشعبي وقدرته على التصدي لمختلف التهديدات الأمنية، وهو ما يعكس انسجام الخطاب مع العقيدة الدفاعية الجزائرية القائمة على اليقظة الدائمة وتعزيز مناعة الدولة.



