35 مؤسســـة توجـــت عـــن جـــدارة واستحقـــاق بالشهــــادة الدوليــة
رهان الجودة لم يعد مقتصراً على الجهود الكبيرة والمتميزة القائمة على تراكم الخبرات، ولا على البحث عن تطوير أداء مؤسسات التعليم العالي من خلال التحكم في مجال الذكاء الاصطناعي والتميز في مجال الرقمنة وخوض غمار جامعة الجيل الرابع بكل ما يكتسيه المسار من انفتاح على المحيط الاقتصادي والاجتماعي والتطوير البيداغوجي وتوجيه البحث العلمي لخدمة الاقتصاد الوطني.
الرهان الآن اتجه إلى العمل على السعي للحصول على ما يثبت الجودة الموجودة في جامعات الجزائر التي تخرج سنوياً طلبة جاهزين ليكونوا موظفين في مؤسسات جزائرية ودولية ويساهموا في تطويرها ومقاولين قادرين على استحداث مؤسسات صغيرة ومتوسطة وناشئة.
إن إثبات هذه الجودة من خلال إطلاق أول برنامج وطني للحصول على شهادة الأيزو 9001-2015 والذي شمل في دفعته الأولى 35 مؤسسة جامعية استطاعت في 6 أشهر الأولى خمس مؤسسات جامعية أن تصل للمرحلة النهائية وتتحصل بجدارة واستحقاق على شهادة الأيزو الدولية، بعد عملية تدقيق خارجي قامت بها مؤسسات معتمدة ومستقلة عن قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، شهادة تؤكد التميز في التسيير الذي وصلت إليه مؤسساتنا.
ونظراً لحساسية القطاع وتفرده حرصنا أن يكون نطاق شهادة الأيزو (Périmètre de certification) هو البحث العلمي من خلال عملياته كمسابقات الدكتوراه والتدريس فيها والمخابر البحثية، والبيداغوجيا من خلال عمليات كالتسجيل، التدريس والشهادات؛ فالبحث العلمي والبيداغوجيا هم المهمتان الرئيسيتان للقطاع، لتدرج باقي المهام المتعلقة بالتسيير والعلاقات الخارجية في مجال المهام الداعمة. وهذا يعني أن النطاق المختار للحصول على شهادة الأيزو في مؤسسات التعليم العالي سلك السبيل الصعب ولم يكتفِ بتنظيم العمليات التسييرية في مجالات كتنظيم الموارد البشرية، رغم إدراجها في سياق المهام الداعمة حالها حال المهام التي تقوم بها مؤسسات التعليم العالي في مجال العلاقات الخارجية.
انطلق مشروع مرافقة مؤسسات التعليم العالي للحصول على شهادة الأيزو في 03 جانفي من السنة الجارية من خلال مراسلة للمؤسسات المعنية وضح فيها المطلوب من كل مؤسسة ومنهجية العمل المطلوبة، التي شملت 07 مراحل حدد لكل مرحلة فيها مدة زمنية لتنفيذها، انطلاقاً من تكوين فريق قيادة المشروع والتكوين في كل مؤسسة وصولاً إلى التدقيق الداخلي والخارجي. استطاعت الوزارة من خلال المديرية الفرعية للتقييم وضمان الجودة تنظيم 04 دورات تكوينية ما بين شهر جانفي وشهر ماي نفذ خلالها برنامج تدريبي لمدة 130 ساعة تدريب، خصص لممثلي الجامعات المعنية حضورياً ونقل لباقي فريق التكوين عن طريق تقنية التحاضر عن بعد، وقاد عملية التدريب كل من الأستاذ أمين علال والأستاذة يوسفي فاطمة، وهو ما مكن من توحيد الرؤية لدى المشاركين وتسريع فهم السبل الواجب اتباعها لوضع النظام في المؤسسات الجامعية من أجل الحصول على الشهادة، كما قامت المديرية الفرعية بعدد كبير من المداخلات التلفزيونية واللقاءات مع الصحافة المكتوبة والرقمية للحرص على نشر ثقافة الجودة وفق الأسس الصحيحة ومتطلبات المعيار الدولي.
لماذا الأيزو 9001-2015 بالتحديد؟
إن الحديث عن الأيزو 9001-2015 تطور ملحوظ في سياسة الجودة الوطنية نظراً لأن المعيار المذكور يتمتع بسمعة عالمية ويعطي للمؤسسات التي تطبقه مرئية قوية دولياً، وبالعودة للأسس في مجال الجودة فيمكن لأي جهة كانت تطوير نموذج الجودة الذي تريده وبالطريقة التي تريدها، لكن المشكل الذي سيترتب بعدها هو حصول هذا النظام المطبق على الاعتراف الدولي، وعليه فإن تطبيق نظام معروف دولياً يقصر الطريق في هذا المجال ويسرع في إيجاد أرضية صلبة للعمل في مجال أي تعاون دولي.
وفي نفس السياق ظهر نقاش علمي موازٍ قوامه أن تطبيق المعيار الأيزو 21001 كان سيخدم قطاع التعليم العالي بشكل أحسن كونه معياراً يختص بالتعليم العالي، وهنا تكمن المغالطة؛ فمعيار 21001 ليس مخصصاً لقطاع التعليم العالي بل لكل ما يمت بصلة للتعليم، ويمكن تطبيقه على مؤسسات التدريب والتكوين وحتى تعليم الأطفال كما يمكن تطبيقه على مؤسسات التعليم العالي، وينسب الحال أيضاً على منتجات التعليم.
إن إطلاق أي استراتيجية وطنية يتطلب محددات داخلية ومحددات تتعلق بالبيئة المحيطة، والحديث عن الأيزو 21001 بعيداً عن كونه ليس مخصصاً لمؤسسات التعليم العالي حصراً فإن تطبيقه في الجزائر حالياً غير ممكن؛ فمن جهة لا يوجد مرافقون معتمدون قادرون على توفير مرافقة في مجال التكوين، ومن جهة أخرى انعدام المؤسسات المعتمدة في الجزائر القادرة على منح شهادات أيزو 21001 يمكنها تحقيق الاعتراف الدولي، وهو الأمر الممكن في مجال الأيزو 9001-2015.
إن الاختلاف الآخر القادر على صناعة الفارق هو نطاق تطبيق الأيزو؛ فالبعض كان يعتقد أن تطبيق الأيزو 9001 لا يمكنه أن يشمل مجال البيداغوجيا والبحث العلمي، لكن الذي حدث هو أننا طبقنا نفس نطاق الأيزو 21001 في المؤسسات التي حصلت وستحصل على شهادة الأيزو 9001 خلال الدفعة الأولى وباقي الدفعات، وهو ما يجعل الفرق حالياً غير موجود بين المعيارين إلا في بعض المتطلبات البسيطة في الفصل 8، مما يعني أن المرور لمعيار 21001 أمر ممكن وكل ما يتطلبه هو جهوزية البيئة المحيطة، خاصة ما يتعلق بحصول مؤسسة التدقيق الخارجي على الاعتماد لتتمكن من تقديم شهادات معترف بها دولياً، وهو الأمر المتاح والممكن لثلاث مؤسسات جزائرية حالياً في مجال الأيزو 9001-2015، والحاصلة على الاعتماد في شق الخدمات وفق الرمز 37 المخصص للمؤسسات التعليمية.
هـــــل معيـــــار الأيـــــــزو ملائم للتعليم الجامعي؟
إن هذا السؤال عادة يرد من الأشخاص الذين لا يتحكمون في مفاهيم هذا المعيار ولا في تفاصيله، خاصة أن كل أنظمة الجودة العالمية مبنية على مقاربة العمليات والإجراءات، وهو المبدأ الأساسي لمعيار الأيزو.
ولعل الذي يغيب عن البعض أن مبدأ التحسين المستمر يعني أن تنظيم أي عملية والبحث في مدخلاتها ومعالجتها وتحسين مخرجاتها وما يشمل ذلك من مراحل تنفيذها ومراجعها وتحديد المخاطر التي قد تشملها وإعداد برنامج لتحييدها لتفادي سحب شهادة الأيزو من المؤسسة خلال عملية التدقيق الخارجي الدورية التي تحدث كل سنة، هو ضمان لاستمرارية مقاربة الجودة كمبدأ تسيير وتطوير لا كشعار عابر. كما أن الاستبيانات التي توزع إجبارياً على الأطراف المعنية المتمثلة في الطلبة، الأساتذة، الإدارة، والمتعاملين والشركاء الاجتماعيين توضح حقيقة التطور الذي عرفته المؤسسة ومدى تطبيقها للتحسين المستمر سواء تعلق الأمر بعدد المشاركين في الاستبيان أو الإجابات الواردة فيه.
إن كل ما سبق وفق معيار الأيزو يجب أن يكون موثقاً وفق طرق محددة بدقة في المعيار الدولي، وأي خروج عن المعيار يؤدي بالتدقيق الخارجي لحرمان المؤسسة من الحصول على الشهادة ويقدم لها مدة 3 أشهر لتصحيح الاختلالات، وإن لم تصحح فتحرم المؤسسة المعنية من الحصول على الشهادة لغاية تدقيق خارجي جديد تحترم فيه كل ما يتطلبه المعيار.
مؤســسات التعلـــيم العـــالي الجزائريـة تضــع لأول مـــرة نظــــام جـــودة
إن واحداً من أهم مميزات نظام الأيزو 9001 هو النظام في حد ذاته، والذي يعتبر بعيداً عن الشهادة والاعتراف الدولي الذي يوفره، كونه نظاماً قوياً قابلاً للتقييم والقياس والتطوير. ونستطيع من خلاله تكوين أساتذة وإداريين وتنظيم كل العمليات التي تجري داخل مؤسسات التعليم العالي الجزائرية، وهو ما يجعلنا أمام لبنة حقيقية لبناء نموذج جزائري للجودة ستتضح معالمه بكل سهولة بعد الانتهاء من تعميم النظام، فستصبح كل مؤسسات التعليم العالي تتحدث نفس اللغة التنظيمية، وتعمل بشكل آلي على التحسين المستمر، وقادرة على تحديد أهداف دقيقة وقياس مدى القدرة على الوصول إليها.
إن تعميم النظام والحصول على الشهادة وتكوين مدققين من أساتذة وإداريين وفق معيار دولي وبتكلفة تعتبر بسيطة جداً نجاح غير مسبوق في مجال الجودة، عامل يفتح المجال مستقبلاً أمام فرص كبيرة لعل أهمها تعويض التدقيق الخارجي بآخر داخلي إما من خلال تأهيل الفروع الاقتصادية للجامعة في مجال الجودة بحصولها على الاعتماد، أو استحداث هيئة جزائرية لذلك.
من مقاربـــــــــة الأيزو إلى مقاربة ضمــــان الجــــــودة
من خلال مشاركتنا في الورشة المنظمة في ماي الماضي من قبل منظمة اليونيسكو لدول المغرب العربي بدولة تونس، وقفنا على توجه الخبراء الدوليين في مجال ضمان الجودة للمزج بين معايير الأيزو ومعايير ضمان الجودة في عديد المحطات التقنية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن طريقة القيام بالتدقيق الخارجي في مقاربة ضمان الجودة تبقى خاضعة لتقاليد داخلية تخص كل وكالة جودة، لكن في معيار الأيزو ينظم هذا الأمر من خلال معيار خاص يسمى المعيار 19011، وهو ما جعل واحدة من بين التوصيات التي خرجت بها الورشة إنشاء هيئة تكوين مغاربية تسهر على توحيد الممارسات الموجودة وتطويرها، ويبقى معيار 19011 واحداً من المعايير التي يمكن أن تكون مرجعاً في هذا الإطار.
مشـروع الأيــزو مـــن قطـــــاع التعليــــم العـــــالي إلــي خدمـة الاقتصــاد الوطنـــي؟
إن مشروع الأيزو 9001 في 6 أشهر الأولى استطاع أن يكوّن عدداً معتبراً من الأساتذة الذين عملوا على تطبيق متطلباته للحصول على الشهادة بحد أدنى بلغ 10 متكونين في كل مؤسسة، وهو ما يعني 350 إطاراً قادراً على مرافقة مؤسسات التعليم العالي حالياً، ويمكن أن يفيدوا في ديناميكية الجودة التي أصبحت واحدة من أولويات الاقتصاد الوطني الذي أصبحت صادراته خارج المحروقات رهاناً قابلاً للتجسيد والتوسع من خلال كسب رهان الجودة.
يضاف إلى ذلك أن عدد المؤسسات المعتمدة في مجال الأيزو 9001 في مجال الخدمات وفق الرمز 37 في تزايد مستمر، وهو ما يعني أن الجامعة استطاعت أن تحرك الطلب في مجال التكوين في الأيزو خاصة أن هذا التكوين أصبح ضمن ميزانية التكوين السنوية لمؤسسات التعليم العالي، وهو ما يعني أن المشروع خلق ديناميكية اقتصادية متميزة.
مســك الختـــام
في الختام، يمكن القول إن كل استراتيجية تخلق نقاشاً أكاديمياً، تؤسس لثقافة جديدة أو تطور ثقافة موجودة وتصنع فرصاً اقتصادية للمتعاملين الاقتصاديين، مكونة لإطارات وخبراء ومطورة للمهارات الشخصية قادرة على تحقيق نتائج في الآجال القصيرة قابلة للقياس وتخطط لتحقيق نتائج في المدى المتوسط والطويل من خلال موارد محددة هي استراتيجية صحيحة وناجحة خاصة في ظل تحديات بيئة التطبيق.
ولعل حصول جامعة ورقلة، بومرداس وسيدي بلعباس والمدرسة الوطنية العليا للمناجمنت وجامعة التكوين المتواصل والمؤسسة الخاصة للتعليم العالي IFAG في 6 أشهر على شهادة الأيزو وبرمجة عديد مؤسسات التعليم العالي لمرحلة التدقيق الخارجي مباشرة خلال الدخول الجامعي القادم للحصول على شهادة الأيزو، دليل على نجاح استراتيجية القطاع في تبني معيار الأيزو متمسكين بمبدأ التحسين المستمر لكل ما يتعلق بالجودة في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي.
^ أستاذ جامعي






