يُجمع كثيرون على أن السجون هي السيرة السرية للدول، ففي كل زنزانة تعريفٌ للإنسان كما تراه السلطة، وفي كل بابٍ موصدٍ اعترافٌ صامت بما تخشاه أكثر مما تعلن عنه، لذلك كان تاريخ السجون سجلًا للضمير إذا اختبر أمام القوة.
تعتبر معضلة السجون في الصراع الفلسطيني الصهيونى امتدادًا لتاريخ طويل من إدارة الاحتلال عبر منظومة الاعتقال، وإن ازدادت شراسةً إبان العدوان الأخير على غزة وعموم فلسطين. فمنذ عام 1967 أصبح الاعتقال أحد أكثر أدوات السيطرة استخدامًا، وتعاقبت الحكومات الصهيونية على توسيع البنية القانونية والتنظيمية التي تسمح باحتجاز الفلسطينيين في ظروف استثنائية، بما في ذلك ما اصطلح على تسميته الاعتقال الإداري، ذلك الذي يجيز احتجاز أشخاص لفترات قابلة للتجديد دون محاكمة جنائية كاملة استنادًا إلى ملفات سرية، ولا يُعرف على وجه اليقين ما إذا كانت تلك الملفات متاحة للمراجعة القضائية بصورة تكفل للمتهم حق الدفاع الكامل.
وبينما يرى الكيان الصهيونى أن هذه الإجراءات تستند إلى اعتبارات أمنية، تنتقدها منظمات حقوقية دولية باعتبارها تثير تساؤلات جدية حول ضمانات المحاكمة العادلة والحقوق الأساسية للمحتجزين.
ويكتسب الجدل بعدًا أعمق عند قراءة هذه السياسات في ضوء القانون الدولي الإنساني. فاتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الرابعة، تم وضعها أصلًا لتقييد سلطة المنتصر عندما يشتد إغراء القوة، ولحماية الإنسان عندما يصبح في قبضة خصمه، فالفلسفة التي قامت عليها تلك الاتفاقيات هي أن الكرامة الإنسانية لا تتغير بتغير الهوية أو الجنسية أو موقع الإنسان في النزاع، وأن القوة العسكرية لا تعفي الدولة من التزاماتها القانونية والأخلاقية.
ولعل هذه هي الخلاصة التي خرج بها العالم من رماد الحرب العالمية الثانية ومن محاكمات نورمبرغ تحديدًا، إذ أدرك المجتمع الدولي أن الحضارة تنهار حين يصبح الاستثناء قانونًا، وتصبح الضرورة ذريعةً لتعليق الحقوق. فالقانون يتم اختباره في تلك اللحظة التي يبدو فيها تجاوزه أكثر إغراءً.
لهذا فإن الجدل الدائر حول أوضاع الاحتجاز في «سديه تيمان» يتعلق بالسؤال القديم الذي رافق القانون الدولي منذ نورمبرغ: هل يجوز للدولة، وهي تواجه أخطارًا أمنية حقيقية، أن توسع منطق الضرورة حتى يبتلع منطق الحق؟ ذلك السؤال يرسم حدودًا واضحة مفادها أن الضرورة الأمنية لا تتحول إلى تفويض مفتوح، وأن المعاملة الإنسانية يجب أن تظل التزامًا قانونيًا حتى في أشد لحظات الحرب قسوة.
ومن هنا تتجاوز شخصية إيتمار بن غفير حدود الشخصية السياسية المثيرة للجدل، لتصير تعبيرًا عن نهج يرى أن الردع يتحقق عبر تشديد العقوبة وتوسيع أدوات القوة، في مقابل تيار آخر داخل الكيان الصهيوني وخارجه يحذر من أن الدولة التي تجعل القانون تابعًا للسياسة تخاطر بتحويل القانون نفسه إلى أداة للصراع، بعدما وُجد ليكون وسيلةً للحد منه.
ولعل أكثر المقترحات التي كشفت طبيعة منطق بن غفير اقتراحه حفر خندق يحيط بالسجن تُطلق فيه التماسيح لافتراس الأسرى، وسواء أراد بن غفير أن يكون اقتراحه مشروعًا قابلًا للتحقق، أو مناورة للاستفزاز السياسي، فإنه يظل كاشفًا عن مخيال عنصري يرى في الأسير إنسانًا يطوّقه الموت من كل الجهات، مع أن الأسير، حتى وهو خلف القضبان، يظل صاحبَ حقوقٍ يكفلها القانون، عند تلك اللحظة يصبح التمساح استعارةً للقوة التي تفقد قدرتها على التمييز بين الردع والانتقام.
فالتمساح يجرُّ الفريسة أولًا إلى مياهه، ثم يبتلعها، وكذلك تفعل سياسة الاحتلال إذ تبدأ باستثناء صغير، لتنتهي بعدها بابتلاع القانون.
والقوانين التي تشد العدالة رحالها إليها، هي تلك القادرة على حماية إنسانيتها عندما يصبح الإنسان الحلقة الأضعف، هنا تنتصر العدالة لنفسها عندما تصرُّ على الحضور رغم صعوبة إنصاف الضعيف.
والتاريخ يقدم درسًا متكررًا يكاد يكون قانونًا سياسيًا لا استثناء له: لم تستطع أي سلطة أن تنتصر نهائيًا باتساع أجهزتها الأمنية. فالإمبراطوريات التي سقطت اتسعت فيها الفجوة بين شرعية القوة وقوة الشرعية. والاحتلال يدرك أنه لا يملك شرعيةً كافية تغنيه عن القوة، لذلك يزداد تعلقًا بها كلما شعر أن شرعيته تتآكل.
وليس مصادفةً أن أكثر السجون حضورًا في ذاكرة الشعوب تلك التي تحولت، بعد سقوط جلاديها، إلى متاحف تروي للأجيال كيف يمكن للخوف أن يبني جدرانًا عالية، ويعجز في الوقت نفسه عن بناء مستقبل.
فحين تبدأ الدولة في الدفاع عن أفعالها أكثر من دفاعها عن مبادئها، تدخل منطقةً يفقد فيها الانتصار العسكري جزءًا من معناه، لأن الرأي العام العالمي يحاكم الدول بقدرتها على البقاء داخل الحدود التي رسمها القانون والضمير الإنساني.
ويبقى الإنسان، في النهاية، أقدم من السجون، وأبقى من السجّان، والذاكرة هي القادرة على التوريث، أكثر من القوة، وما تكتبه العدالة في ضمير التاريخ أغنى من أن تمحوه القرون، لذلك قد يربح القوي المعركة، دون أن يكتب الرواية الأخيرة منفردا، تلك الرواية التي يكتبها الضمير، وعليه فإن الشعوب تكتب تاريخها بالذاكرة وفلسطين كانت، وما تزال، سيدة الذاكرة.







