رؤية متكاملة تجمع بين أمن الإمدادات الغازيـــــة وتطويــــر الطاقــــات المتجــــدّدة
“الممرّ الجنوبي” للهيدروجــــين.. أمــــان مستـــدام في تجــــارة الطاقــــة النظيفـــة
تستعد الجزائر لتعزيز موقعها في معادلة الطاقة العالمية، من خلال توسيع حضورها في مجال الطاقات النظيفة وإدراج الهيدروجين الأخضر ضمن مزيجها الطاقوي الموجّه نحو الأسواق الخارجية، باعتباره أحد أبرز مصادر الطاقة التي تراهن عليها التحوّلات الجارية في النظام الطاقوي العالمي. وفي قلب هذا التوجه، تبرز مشاريع استراتيجية من شأنها أن تعزّز موقع الجزائر كمحور مهم في تجارة الطاقة النظيفة بين ضفتي المتوسط، مستفيدة من مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي وبنيتها التحتية الطاقوية المتطورة.
تتّجه الأنظار إلى الجزائر باعتبارها من الدول العربية، التي تمتلك مقومات تؤهّلها للاضطلاع بدور محوري في سوق الهيدروجين الأخضر، بالنظر إلى توفّر الموارد الطبيعية، وتراكم الخبرة في قطاع الطاقة، إلى جانب امتلاكها شبكة واسعة من البنى التحتية المرتبطة بنقل الغاز وإنتاجه وتصديره.
ويمثل هذا الإرث الطاقوي عاملا مهما في تطوير مشاريع الهيدروجين، إذ يمكن إعادة تأهيل أجزاء من شبكات الغاز القائمة واستخدامها، وفق المتطلبات التقنية والاقتصادية، لنقل الهيدروجين أو مشتقاته، ما قد يسمح بتقليص آجال الإنجاز وكلفة تطوير البنى التحتية مقارنة ببناء شبكات جديدة بالكامل، وهي ميزة تكتسب أهمية خاصة في سوق أوروبية تبحث عن مصادر طاقة نظيفة ومستقرّة وقريبة جغرافيا.
مرونة في الوصول إلى الأسواق
في هذا السياق، يبرز مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين “South H2 Corridor” كأحد أهم المشاريع المرتبطة بتطوير سلاسل إمداد الهيدروجين بين شمال إفريقيا وأوروبا، ويمتد هذا المشروع على مسافة تقارب 3300 كيلومتر، ويربط شمال إفريقيا بالأسواق الأوروبية عبر إيطاليا والنمسا وصولا إلى ألمانيا، بما يجعله أحد المشاريع العابرة للحدود التي يمكن أن تساهم في بناء سوق أوروبية للهيدروجين، وربط مصادر الإنتاج بمراكز الاستهلاك.
ويستند المشروع إلى مقاربة تجمع بين إنشاء مقاطع جديدة من خطوط الأنابيب وإعادة استخدام أو تأهيل أجزاء من البنية التحتية القائمة، بما يسمح بتحقيق قدر أكبر من الكفاءة الاقتصادية والمرونة في تنفيذ المشروع، كما يستهدف الممر – وفق التصورات المعلنة – نقل كميات كبيرة من الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا، بما يعزّز اندماج الجزائر في سلاسل القيمة الجديدة للطاقة النظيفة.
ولا تقتصر الرؤية الجزائرية على النقل عبر الأنابيب، إذ يجري تطوير مشاريع مرتبطة بإنتاج الأمونيا الخضراء وتصديرها بحرا نحو الأسواق الخارجية، وتوفّر هذه المقاربة مسارين متكاملين للوصول إلى الأسواق، حيث يمكن للأنابيب أن توفّر حلا مناسبا لنقل كميات كبيرة من الهيدروجين على المدى الطويل، في حين تتيح الأمونيا الخضراء، باعتبارها أحد مشتقات الهيدروجين، إمكانية الاستفادة من النقل البحري والبنية التحتية المينائية القائمة للوصول إلى أسواق بعيدة.
ويمنح تنوّع وسائل النقل والتصدير الجزائر هامشا أوسع للتكيّف مع تطورات السوق العالمية وتغيّر احتياجات المستهلكين، كما يفتح المجال أمام تطوير سلسلة متكاملة تشمل الإنتاج والتحويل والنقل والتصدير، بدل الاكتفاء بإنتاج الطاقة النظيفة.
جسر طاقوي بين ضفتي المتوسط
يحمل هذا التوجه أبعادا تتجاوز الجانب الاقتصادي، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للجزائر على الضفة الجنوبية للمتوسط وقربها من الأسواق الأوروبية؛ فالقرب الجغرافي من أوروبا يمنح مشاريع الطاقة النظيفة ميزة مهمة من حيث مسافات النقل، كما يتيح الاستفادة من العلاقات الطاقوية القائمة بين الجزائر وعدد من الدول الأوروبية.
وتملك الجزائر خبرة طويلة في تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا، إلى جانب شبكة من خطوط الأنابيب ومنشآت إنتاج ونقل ومعالجة الغاز، وهو ما يوفّر قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير مشاريع الطاقة الجديدة، ومن شأن توظيف هذه القدرات والخبرات في مجال الهيدروجين ومشتقاته أن يفتح مرحلة جديدة في التعاون الطاقوي الجزائري-الأوروبي، تقوم على تنويع مصادر الطاقة وتطوير سلاسل إمداد أكثر استدامة.
وفي هذا الإطار، يمكن للممر الجنوبي للهيدروجين أن يتحول إلى أكثر من مجرد مشروع لنقل الطاقة، ليشكّل أحد الجسور الجديدة للتعاون الاقتصادي بين إفريقيا وأوروبا، من خلال ربط مناطق الإنتاج في الجنوب بمراكز الطلب الصناعي في الشمال، وفتح مجالات جديدة للاستثمار والتكنولوجيا والخدمات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
انتقال تدريجي يجمع الغاز والطاقات المتجدّدة
يأتي توجه الجزائر نحو الهيدروجين الأخضر بالتوازي مع استمرار دورها كمصدّر مهم للغاز الطبيعي، في إطار انتقال طاقوي تدريجي يأخذ بعين الاعتبار واقع الأسواق وحاجاتها؛ فالتحول نحو الطاقات النظيفة يتم على مراحل، ما يجعل الغاز الطبيعي عنصرا مهما خلال المرحلة الانتقالية، في الوقت الذي يجري تطوير قدرات جديدة في مجال الطاقات المتجدّدة والهيدروجين.
وتوفر هذه المقاربة للجزائر إمكانية الاستفادة من مواردها الحالية وخبراتها المتراكمة في قطاع الطاقة، بالتوازي مع الاستثمار في مصادر جديدة للنمو. كما تسمح بتوجيه جزء من القدرات والخبرات الموجودة نحو قطاعات الطاقة المستقبلية، بما يدعم تنويع الاقتصاد ويفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار والصناعة والخدمات.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية بالنظر إلى الإمكانات الكبيرة التي تتوفّر عليها الجزائر في مجال الطاقة الشمسية، خصوصا في المناطق الجنوبية، حيث يمكن أن تشكّل وفرة الإشعاع الشمسي قاعدة لتطوير مشاريع إنتاج الكهرباء من المصادر المتجدّدة، ثم استخدامها في إنتاج الهيدروجين الأخضر.
كفاءات شابة لبناء اقتصاد أخضر
تشير الرؤية المعلنة لتطوير صناعة الهيدروجين في الجزائر إلى مسار تدريجي يبدأ بإنجاز المشاريع التجريبية والصناعية الأولى، ثم الانتقال إلى توسيع القدرات الإنتاجية والتصديرية مع تطوّر التكنولوجيا وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة النظيفة.
في هذا المسار، تبرز أهمية الشراكات الدولية والاتفاقيات المبرمة مع شركاء أوروبيين، باعتبارها آلية لتبادل الخبرات والتكنولوجيا وتعبئة الاستثمارات الضرورية لإنجاز المشاريع الكبرى، كما أنّ نجاح هذه المشاريع يرتبط بمدى تطوير منظومة صناعية محلية قادرة على توفير المعدات والخدمات والكفاءات اللازمة لمرافقة سلسلة الهيدروجين من الإنتاج إلى النقل والتصدير.
في هذا الجانب، تشكّل الطاقات البشرية الشابة أحد أهم عناصر الرهان الجزائري، بالنظر إلى الحاجة المتزايدة إلى مهارات جديدة في مجالات الهندسة والطاقات المتجدّدة والتخزين والنقل والتحويل والرقمنة، ومن شأن الاستثمار في التكوين والبحث والابتكار أن يرفع قدرة الجزائر على بناء قاعدة وطنية من الكفاءات المتخصّصة، ويمنح مشاريع الطاقة النظيفة بعدا صناعيا واقتصاديا يتجاوز تصدير الطاقة في صورتها الأولية.
وتفتح هذه الديناميكية أمام الجزائر فرصة لإرساء اقتصاد أخضر أكثر تنوعا، يقوم على استغلال مواردها الطبيعية، وتثمين بنيتها التحتية، وتطوير صناعات جديدة، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة، بما يعزّز موقعها في التحولات الجارية في سوق الطاقة العالمية.
ويتجه الرهان الجزائري في مجال الهيدروجين الأخضر نحو بناء منظومة متكاملة تجمع بين الموارد الطبيعية والبنية التحتية والخبرة الطاقوية والموقع الجغرافي والكفاءات البشرية، بما يمكّن الجزائر من الانتقال تدريجيا من موقع المورّد التقليدي للطاقة إلى شريك فاعل في سوق الطاقة النظيفة، ويعزّز دورها في رسم ملامح المرحلة المقبلة من التعاون الطاقوي بين إفريقيا وأوروبا.




