تتأهب بورصة الجزائر للانفتاح أكثر على الحياة الاقتصادية، فالجزائر المنتصرة التي أرست دعائم إصلاحات اقتصادية عميقة ومتدرجة، أبرزت بقوة منظومة البورصة الوطنية كإحدى أهم الحلقات التي أعيدت هندستها لتكون سوقا مالية فاعلة في تمويل الاستثمار وتشجيع المبادرات الإنتاجية.
تحولت بورصة الجزائر إلى منصة ديناميكية تستقطب المؤسسات الناشئة والمؤسسات البحثية والبنوك الكبرى، في تجسيد حي لإرادة سياسية واضحة تهدف إلى تنويع مصادر التمويل وتقليص الاعتماد الحصري على الخزينة العمومية، ويعكس هذا التحول الهيكلي فعالية ودقة في الرؤية الاقتصادية الوطنية، حيث أصبحت السوق المالية شريكا استراتيجيا في بناء اقتصاد المعرفة وتحفيز الابتكار.
وتتجلى أبرز ملامح القفزة النوعية في الإستراتيجية الوطنية التي أقرتها وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمصغرة، والرامية إلى إدراج خمس مؤسسات ناشئة على الأقل، ومؤسسات ذات نمو سريع عبر قسم “النمو” الخاص بالبورصة، وهو القسم الذي صمم خصيصا ليمنح الشركات التكنولوجية والرقمية فرصة الوصول إلى التمويل العمومي عبر الاكتتاب، دون الخضوع لشروط الإدراج الكلاسيكية.
وتتوزع طلبات الاكتتاب والمفاوضات الجارية على قطاعات واعدة تشمل التكنولوجيا الزراعية، والتكنولوجيا الصحية، والتجارة الإلكترونية والحلول اللوجستية، والذكاء الاصطناعي والتطبيقات البرمجية، وهي قطاعات تمثل مستقبل الاقتصاد الجزائري وتنسجم تماما مع توجهات الدولة في بناء نموذج إنتاجي قائم على المعرفة والتكنولوجيا.
ولم تكتف السلطات العمومية بتحديد الأهداف النظرية، فقد أرفقتها بحزمة تحفيزات غير مسبوقة للفترة الممتدة بين 2026 و2028، حيث أقرت لجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة “كوسوب”، بالتعاون مع شركة تسيير بورصة القيم، وشركة “الجزائر للتسوية”، إعفاء شاملا واستثنائيا من رسوم الإدراج للمؤسسات الناشئة.
ويشمل هذا الإعفاء رسوم الدراسة والتأشيرة، ورسوم القبول في التسعيرة الرسمية، ورسوم حفظ وتسيير السندات لعمليات جمع الأموال التي لا تتجاوز 500 مليون دينار جزائري، وهو القرار الجريء الذي يزيل أهم العوائق التي كانت تحول دون لجوء الشركات الصغرى إلى السوق المالية، ويترجم إرادة حقيقية في جعل البورصة في متناول المبتكرين ورواد الأعمال.
وتأتي هذه الهندسة المالية الجديدة لتتوج بسابقة عملية بالغة الدلالة، تمثلت في الاكتتاب الناجح لشركة “مستشير” كأول مؤسسة ناشئة جزائرية تلج البورصة وتؤمن تمويلها عبر السوق المالية، ولم يكن هذا الحدث مجرد عملية تقنية، بل كان رسالة قوية مفادها أن السوق الجزائرية جاهزة لاحتضان المشاريع المبتكرة، وأن المستثمر المحلي قادر على مرافقة الشركات الناشئة في مسارات نموها.. بهذا الإنجاز، انتقلت المؤسسات الناشئة الجزائرية إلى أفق الاكتتاب العام والنمو المستدام، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من الشركات التكنولوجية التي ستحذو حذو “مستشير” في الأشهر والسنوات القادمة.
على مستوى الديناميكية العامة للسوق، تعيش بورصة الجزائر على وقع تحركات مالية استثنائية تعكس عمق الإصلاحات المنجزة، فقد تم حديثا إدراج المؤسسة العمومية الاقتصادية “كرابسي إكسبرتيز”، التابعة لمركز البحث العلمي والتقني في التحاليل الفيزيائية والكيميائية، لتكون أول فرع لمركز بحث علمي يدخل البورصة، وهذا يحمل رمزية كبيرة، إذ يكرس التوجه نحو تحويل مخرجات البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية قابلة للتداول والاستثمار، ويربط – بشكل ملموس – بين الجامعة والمختبر من جهة، والسوق المالية من جهة أخرى.
إن ما تحقق في منظومة البورصة الجزائرية، هو جزء من رؤية شاملة تجعل من السوق المالية رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية.




