البنية التحتيـــــة والرقميـة الجزائريـــة في خدمـة الاندمــاج الاقتصـــادي الإفريقـي
تضع الجزائر القارة الإفريقية في صلب توجهاتها الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، انطلاقا من قناعة بأن تنمية البلاد مرتبطة بتنمية محيطها الإفريقي، وأن توسيع المبادلات مع دول القارة يحتاج طرقا لربط الأسواق، وموانئ قادرة على استقبال حركة تجارية أكبر، وخطوطا جوية مباشرة، وشبكات رقمية تسمح بانتقال البيانات والخدمات..
ويكتسب هذا التوجه أهمية أكبر بالنظر إلى طبيعة القارة نفسها، فإفريقيا تمتلك سوقا ضخمة وموارد طبيعية معتبرة وكتلة بشرية شابة، لكنها تعاني ضعف الترابط بين اقتصاداتها، وصعوبة انتقال السلع والأشخاص بين دولها، ولهذا تعمل الجزائر على توظيف موقعها الجغرافي وإمكاناتها في البنى التحتية، للمساهمة في تقليص الفجوة بين الأفارقة.ويبرز الطريق العابر للصحراء في مقدمة المشاريع الجزائرية، باعتباره واحدا من أهم محاور الربط بين شمال القارة وعمقها، حيث يصل الجزائر بدول الساحل وصولا إلى نيجيريا، مع فروع نحو دول أخرى، وهو مشروع بدأ بفكرة فك العزلة عن المناطق الصحراوية، وأصبح اليوم يحمل وظيفة اقتصادية أكبر، فهو ممر ممهد لنقل البضائع وفتح الأسواق وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك.
بالنسبة للجزائر، لا تكمن أهمية الطريق في امتداده الجغرافي فحسب، وإنما في الفرص التي يمكن أن يوفرها للاقتصاد الوطني والإفريقي معا، فالمؤسسة الجزائرية التي تريد الوصول إلى النيجر أو نيجيريا أو بقية أسواق غرب إفريقيا تحتاج إلى مسار نقل منتظم وقابل للاستغلال التجاري، كما تحتاج دول الساحل التي لا تمتلك منافذ بحرية، إلى ممرات تسمح لها بالوصول إلى موانئ المتوسط، وهنا تجمع الجزائر بين موقعها الجغرافي وشبكة الطرق والموانئ لتصبح نقطة عبور رئيسية بين جزء واسع من إفريقيا والأسواق الخارجية.
الجزائر تربط التنمية الإفريقية بالطرق والموانئ والفضاء الرقمي
وفي سياق متصل، لا تتعامل الجزائر مع الطريق العابر للصحراء كمشروع منفصل، إنما تربطه بتطوير الموانئ الوطنية وشبكات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، لأن الطريق العابر للصحراء يحتاج في نهايته إلى موانئ قادرة على استيعاب الحركة التجارية، كما أن تحويل الجزائر إلى منفذ لدول الساحل يتطلب منظومة نقل متكاملة تسمح بنقل البضائع من العمق الإفريقي نحو الساحل المتوسطي والعكس.
وتعمل الجزائر – في الاتجاه نفسه – على تحديث قدراتها المينائية، لتهيئة هذه المنشآت لدور أوسع في المبادلات الإفريقية، فالهدف هو أن تتمكن المؤسسات الجزائرية من التصدير نحو إفريقيا بصورة أسرع وأنجع، وأن يجد المتعامل الإفريقي بدوره منفذا نحو الأسواق المتوسطية والدولية عبر الجزائر، وهو ما يمنح البنية التحتية الوطنية بعدا اقتصاديا يتجاوز الحدود الجزائرية.
كما تعمل الجزائر على توسيع شبكة النقل الجوي نحو العواصم والمدن الإفريقية، فقد ظل ضعف الرحلات المباشرة لسنوات، أحد العوائق التي تحد من التواصل الاقتصادي داخل القارة، وكان الانتقال بين بعض البلدان الإفريقية يتطلب المرور عبر مطارات أوروبية أو شرق أوسطية، ولذلك فإن فتح خطوط جديدة من الجزائر نحو دول القارة يقلص المسافات، ويساعد على حركة رجال الأعمال والوفود والمتعاملين الاقتصاديين، ويعطي للعاصمة الجزائرية فرصة لتطوير موقعها كمركز ربط بين شمال إفريقيا وعمق القارة.ولا يقتصر هذا التوجه على نقل المسافرين، إذ يمثل الشحن الجوي جزءا مهما من أي استراتيجية لتوسيع المبادلات، خاصة بالنسبة للمنتجات ذات القيمة المرتفعة أو السلع التي تحتاج إلى سرعة في النقل، ما يفتح أمام المؤسسات الجزائرية خيارات إضافية للوصول إلى الأسواق الإفريقية إلى جانب النقل البري والبحري.أما المجال الذي يمنح هذه الرؤية بعدا جديدا فهو الربط الرقمي، حيث تعمل الجزائر على مشروع الألياف البصرية العابرة للصحراء الذي يمتد باتجاه نيجيريا مع تفرعات نحو دول في الساحل، وبذلك يصبح المسار الذي ربطته الجزائر برا، قابلا للربط رقميا أيضا، وهو ما يعكس تحولا في مفهوم البنية التحتية، من الطرق التي تنقل الأشخاص والبضائع إلى الشبكات التي تنقل المعلومات والخدمات.وتدعم الجزائر هذا المسار بما تمتلك من بنية اتصالات مرتبطة بالكابلات البحرية الدولية، إلى جانب مشاريع مراكز البيانات وتطوير التكوين في المجالات الرقمية والأمن السيبراني، وهي قدرات يمكن أن تتحول تدريجيا إلى مجال إضافي للتعاون مع الدول الإفريقية، خاصة أن التحدي لم يعد مرتبطا فقط بتوفير الإنترنت، بل ببناء قدرة إفريقية على تخزين البيانات وتطوير الخدمات الرقمية وتأهيل الموارد البشرية داخل القارة.


