سطع نجم مجمع سوناطراك إقليميا ودوليا في مصاف عمالقة الشركات العالمية، وتعزز دوره الإنتاجي والصناعي عبر مشاريع كبرى أعادت رسم ملامح حضوره داخل الوطن وخارجه، في مسار امتزجت فيه الخبرة المتراكمة بالاحترافية والابتكار. ومرة أخرى، تثبت سوناطراك أنها قاطرة استراتيجية لصناعة الطاقة في القارة الإفريقية، مستندة إلى قدرات تقنية وبشرية تؤهلها لتوسيع حضورها خارج الحدود والمساهمة في بناء شراكات طاقوية أكثر تكاملا.
وتجسد هذه الديناميكية استراتيجية المجمع في التوسع داخل إفريقيا وتعزيز التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة في المجال الطاقوي، ضمن رؤية تتجاوز الاستثمار التقليدي إلى بناء حضور طويل الأمد في الأسواق الإقليمية، ويأتي ذلك امتدادا لاستثمارات ومشاريع أنجزتها سوناطراك في دول الجوار، من بينها ليبيا التي شهدت نشاطا استكشافيا للمجمع، بما يعكس انتقاله من فاعل رئيسي في المنظومة الطاقوية الجزائرية إلى مجموعة طاقوية قادرة على توظيف خبراتها خارج الوطن بكفاءة عالية.
ويندرج هذا التوجه ضمن رؤية الجزائر لتعزيز موقعها على خريطة الطاقة العالمية، مستفيدة من رصيد تقني وبشري مهم، ومن إرادة سياسية تهدف إلى جعل الموارد الطبيعية رافعة للسيادة الاقتصادية وأداة لتطوير التعاون المثمر مع الدول الشقيقة والصديقة.
كفاءة تنظيمية واحترافية تقنية
يجسد المشروع النفطي «كافرا جنوب شرق 1»، الواقع بالقرب من الحدود الجزائرية-النيجرية، جانبا مهما من هذا التحول في نشاط سوناطراك خارج الوطن؛ فالمشروع يتجاوز عملية الحفر الاستكشافي والبحث عن مكامن جديدة للطاقة، ليعكس في الوقت ذاته قدرة الجزائر على توظيف خبراتها التقنية والتنظيمية في مشاريع إقليمية ذات أهمية استراتيجية.
ويأتي المشروع ثمرة تنسيق بين مختلف فروع مجمع سوناطراك، حيث تتولى المؤسسة الوطنية للتنقيب دور المقاول الرئيسي، وتنسق مختلف الوسائل والمتدخلين الضروريين لإنجاز عملية الحفر، بالتعاون مع فروع متخصصة في خدمات الآبار والجيوفيزياء وغيرها من الخدمات التقنية، ويتيح هذا التكامل توفير منظومة عملياتية متكاملة، قادرة على تلبية متطلبات المشاريع الاستكشافية الكبرى وفق معايير صارمة في مجالات السلامة والجودة وحماية الأشخاص والمعدات والبيئة.
ويكشف التحضير للعملية خلال فترة زمنية قصيرة عن مستوى متقدم من الكفاءة التنظيمية والجاهزية التقنية، كما يؤكد قابلية الخبرة الجزائرية للتوظيف في مشاريع دولية تتطلب دقة عالية في التخطيط والتنفيذ، وهنا تبرز قيمة سوناطراك باعتبارها مؤسسة لا تصدر موارد الطاقة فحسب، بل تصدر أيضا المعرفة والخبرة والخدمات التقنية التي راكمتها على مدى عقود.
ويعزز هذا المسار توقيع بروتوكول تفاهم مع الشركة النيجرية للمحروقات، بهدف دراسة إمكانية إنشاء شركة مختلطة متخصصة في مجال الحفر، وتمثل هذه الخطوة بعدا إضافيا في استراتيجية التعاون، لأنها تفتح المجال أمام شراكة مستدامة تقوم على نقل الخبرة الجزائرية وتطوير الكفاءات المحلية، بما يسمح ببناء قدرات مشتركة تخدم قطاع المحروقات في البلدين.
بناء منظومة تعاون طاقوي إقليمي
وتكشف استراتيجية سوناطراك، خلال السنتين المقبلتين، القائمة على إطلاق أربع آبار استكشافية في شمال النيجر، منها بئر «كافرا»، عن رؤية تتجاوز النشاط الاستكشافي المباشر نحو بناء منظومة تعاون طاقوي إقليمي أكثر اتساعا؛ فوجود المجمع في المنطقة يمكن أن يشكل قاعدة لتطوير مشاريع مستقبلية في الاستكشاف والإنتاج والخدمات النفطية، ويمنح الجزائر حضورا أكثر رسوخا في أحد أهم المجالات الاقتصادية بالقارة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق نشاط إقليمي أوسع، يضاف إلى المشاريع والاستثمارات التي أنجزتها سوناطراك في دول الجوار، ولا سيما ليبيا، بما يعزز موقعها كفاعل طاقوي قادر على العمل في بيئات مختلفة وتوظيف خبراته في خدمة مشاريع مشتركة.
كما تمنح المؤشرات الأولية للدراسات الجارية في منطقة «كافرا»، بالتوازي مع عمليات الحفر، أهمية إضافية لهذا التوجه، في ظل ما تشير إليه المعطيات المتاحة من إمكانات واحتياطات قابلة للاستغلال، ومن شأن تأكيد هذه الإمكانات أن يرفع الجدوى الاقتصادية للتوسع الاستكشافي، ويفتح آفاقا جديدة أمام التعاون الطاقوي بين الجزائر والنيجر، ويعزز موقع الجزائر في سوق الطاقة الإقليمية.



