كشف الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية والدراسات الأفريقية، الدكتور عمار سيغة، أن الجزائر فاعل إقليمي محوري لا يمكن تجاوزه، وتدفعها عقيدة أمنية وتنموية لتحقيق الإستقرار في فضائها الساحلي المضطرب، الذي يُشكل عمقها الاستراتيجي المباشر وأمنها القومي الحيوي.
أبرز الدكتور عمار سيغة، في تصريح لـ«الشعب”، أن مكانة الجزائر مستمدة من امتلاكها عقيدة أمنية ودبلوماسية قائمة على مبادئ وقيم ثابتة عريقة، تتجلى في رفض التدخل الخارجي في شؤون دول إفريقيا، واحترام السيادة الجغرافية الوطنية، والدفع والمرافعة من أجل اعتماد مبدأ “الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية”.
وأوضح سيغة أن ما تمرّ به منطقة الساحل الإفريقي بسبب تفاقم أزماتها المركبة، دفعت به تقاطع الاضطرابات الأمنية الداخلية، وعمّق من حدته سباق التنافس الجيوسياسي المحموم بين القوى الدولية التقليدية، وتلك الصاعدة، عجّل بإقحام الدور الدبلوماسي الجزائري في أتون الصراعات لحلحلة الوضع واستعادة التوازن والأمن الإقليميين.
وعلى الرغم من انسحاب بعض الفواعل التقليدية مثل فرنسا، إلا أنه قابله تصاعد حاد للحضور العسكري الأجنبي للشركات الخاصة والتحالفات الصغيرة الجديدة، لذلك تظلّ الجزائر القوة الأكثر قدرة على ربط الاستقرار بالتنمية وفق مقاربة تهدف إلى معالجة الأسباب والدوافع إلى تلك الاضطرابات قبل معالجة النتائج والإفرازات، بحسب قوله.
وتابع: “أعتقد أن قوّة ونجاعة المقاربة الجزائرية تتجلّى في قدرتها المتفرّدة على الربط الميداني بين الأمن والتكامل الاقتصادي في بعده التنموي؛ إذ تُوظّف قدراتها الاستخباراتية الشاملة ونجحت بكفاءة واقتدار بفضل جاهزية الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، في حماية حدودها من تسلّل الجماعات الإرهابية الإجرامية وعصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بالموازاة مع إطلاق مشاريع هيكلية استراتيجية كالطريق العابر للصحراء، ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، وخط السكة الحديدية المار إلى عمق القارة، وإنشاء مناطق التبادل الحر الحدودية، من أجل إرساء تنمية حقيقية في عمق المناطق النائية المتاخمة لحدود تمتد على طول يزيد عن 6000 كلم. وكل هذا يجعل من الجزائر معول خيرٍ للجوار، ضروري الحضور لهندسة الاستقرار المستدام، بعيدًا على التدخلات الخارجية والحلول العسكرية للمشكلات، التي أثبتت أنها أحد أسباب تفاقم الإضطرابات الأهلية الداخلية”.
ومن جهة أخرى، يمنح دور الجزائر القيادي في منظمة الإتحاد الإفريقي وباقي المؤسسات والهيئات القارية والإقليمية، والتوازن الميداني الذي تحظى به، نفوذًا ناعما وموثوقية عالية لدى مجتمعات الساحل والنسيج الإنساني الإفريقي ذو الخصوصية الاثنية والقبلية، وفقًا له.
واختتم الدكتور عمار سيغة بالتأكيد على أن الواقع الميداني أثبت فشل المحاولات الدولية القائمة على منطق التدخل والهيمنة وعسكرة الحلول، وكشفت زيادة في التوترات بدلا عن الاستقرار، وأفضت إلى نتائج عكسية. في حين تظلّ مقاربة الجزائر، بحكم جغرافيتها الإستراتيجية الممتدة وإرثها الدبلوماسي التاريخي العريق، صمام الأمان والركيزة الأساسية لمعادلة أي استقرار مستدام في الساحل الأفريقي لمعرفتها الدقيقة بخيوط الأزمات المتعاقبة على المنطقة.
جدير بالذكر، أن الجزائر تولّت منذ الفاتح أوت الحالي، رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، وتسعى إلى تكريس عهدتها تحت إشراف رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، للدفاع عن مبادئ الاتحاد الإفريقي وأهدافه وفي مقدمتها تعزيز التضامن والعمل الإفريقي المشترك، وتحقيق الأمن والسلام في القارة والسمراء، والتسوية السلمية وللنزاعات والحروب.
كما اُنتخب ممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة بنيويورك، السفير عمار بن جامع، بالإجماع من قبل الدول الأعضاء، رئيسًا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة لدورة 2027، وأكد هذا الانتخاب الذي جرى بمناسبة الدورة التنظيمية للمجلس لاختيار رئيسه ونوابه، الثقة التي توليها الدول الأعضاء في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، لاسيما من طرف المجموعة الإفريقية التي رشّحت السفير بن جامع لتولي هذا المنصب الأممي الرفيع.



