تنامـــي الوعـي المجتمعي بأهميـــة الرفــــق بالحيـــوان
مع الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة الذي تشهده مختلف ولايات الوطن، لا تقتصر تداعيات موجات الحر على الإنسان فحسب، حيث تمتد إلى الحيوانات التي تواجه ظروفا قاسية قد تهدد حياتها، خاصة تلك التي تعيش في الشوارع أو في الفضاءات المفتوحة. وبين العطش والإجهاد الحراري ونقص أماكن الظل، تصبح مبادرات بسيطة، كإناء ماء أو مساحة مظللة، كفيلة بإنقاذ حياة الكثير منها.
في السنوات الأخيرة، تزايدت عبر مختلف الأحياء مبادرات تطوعية أطلقها مواطنون، تقوم على وضع أوعية مياه نظيفة وتقديم الطعام للحيوانات الضالة، إلى جانب تهيئة أماكن تستظل فيها بعيدا عن أشعة الشمس المباشرة. وتعكس هذه السلوكيات تنامي الوعي المجتمعي بأهمية الرفق بالحيوان، في ظلّ التغيرات المناخية التي جعلت فصل الصيف أكثر قسوة عامًا بعد آخر.
وفي هذا السياق، أوضح الطبيب البيطري عادل فرطاس، في حديثه الى «الشعب»، أن الحيوانات تتأثر بدرجات الحرارة المرتفعة مثل الإنسان، بل إن بعضها يكون أكثر عرضة للمضاعفات، لأنها لا تستطيع التعبير عن معاناتها أو الوصول بسهولة إلى مصادر المياه والأماكن الباردة.
وأضاف الطبيب البيطري أن الحيوانات الضالة تبقى الأكثر تضررا، لأنها تقضي ساعات طويلة تحت أشعة الشمس، ما يعرضها للجفاف والإجهاد الحراري، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى نفوقها إذا لم تجد الماء أو الظل في الوقت المناسب.
وأكد المتحدث أن الاعتقاد السائد بقدرة الحيوانات على تحمل الحر الشديد غير صحيح، موضحا أن ارتفاع حرارة الجسم يؤثر مباشرة في وظائفها الحيوية، ويشكل خطرا أكبر على الكلاب والقطط والطيور، فضلا عن الحيوانات الصغيرة والمسنّة وتلك التي تعاني أمراضا مزمنة.
وأشار إلى أن اللهاث المفرط، والخمول، وفقدان التوازن، وجفاف الفم، وتسارع نبضات القلب، وفقدان الشهية، كلها علامات تستوجب التدخل السريع، وذلك بنقل الحيوان إلى مكان بارد، وتقديم الماء له تدريجيا، مع عرضه على طبيب بيطري إذا استمرت الأعراض.
خطـــوات تصنــع الفـــارق
يرى الطبيب البيطري فرطاس أن مساهمة المواطنين، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تنقذ حياة الكثير من الحيوانات خلال فصل الصيف، من خلال وضع أوعية مياه نظيفة في أماكن مظللة أمام المنازل والمحلات التجارية، وفي الحدائق والغابات والشواطئ، مع الحرص على تجديد المياه بانتظام حتى تبقى صالحة للشرب.
وأضاف أن توفير الغذاء للحيوانات الضالة يساعدها على مقاومة الإجهاد الذي تسببه الحرارة المرتفعة، خاصة في المناطق التي يصعب فيها العثور على الطعام خلال هذه الفترة، كما أن توفير أماكن بسيطة للظل، ولو كانت زاوية محمية أو قطعة كرتون، قد يقيها خطر الإصابة بضربة شمس.
ودعا أصحاب الحيوانات الأليفة إلى تجنب إخراجها خلال ساعات الذروة، وتوفير المياه النظيفة لها باستمرار، وعدم تركها داخل السيارات المغلقة ولو لبضع دقائق، لأن درجة الحرارة داخل المركبة ترتفع بسرعة وقد تتحول إلى خطر قاتل.
كما لفت إلى أن الطيور تحتاج بدورها إلى عناية خاصة خلال الصيف، داعيًا إلى وضع أوعية صغيرة للماء في الشرفات والحدائق وعلى أسطح المنازل، مع تنظيفها بانتظام، إلى جانب المحافظة على الأشجار والمساحات الخضراء التي تشكل ملاذًا طبيعيًا للعديد من الكائنات.
وفي ختام تصريحه لــ»الشعب»، أكد الطبيب البيطري فرطاس أن انتشار المبادرات الإنسانية لفائدة الحيوانات يعكس تطورا في الوعي المجتمعي، ويسهم في ترسيخ قيم الرحمة والتكافل واحترام الحياة بمختلف أشكالها، مشددا على أن الرفق بالحيوان ليس سلوكا موسميا، بل قيمة أخلاقية وإنسانية أصيلة حث عليها ديننا الإسلامي.
ولعلّ إناء ماء يوضع في ظلّ شجرة، أو وجبة بسيطة تقدم لحيوان ضال، قد تكون سببا في إنقاذ روح من الهلاك، وهي رسالة إنسانية تؤكد أن الرحمة لا تقتصر على البشر، بل تشمل كل كائن حي يشاركنا هذا الوطن.





