حمايــــة المجتمع ومؤسســـــات الدولـــــة ضمــــن إطــار القانـــون
انتقلت الاستراتيجية الجزائرية، بفضل الخبرة المتراكمة في مكافحة الإرهاب وتتبع فلوله، من التصدي للعمليات الإرهابية وتفكيك الخلايا الناشطة والنائمة، إلى استباق الخطر قبل وقوعه. وتبرز هذه المقاربة في مواجهة أشكال متجددة من التهديدات، تمتد من الإرهاب المسلح إلى الشبكات ذات الأجندات الانفصالية ومحاولات اختراق الجبهة الداخلية والمساس بوحدة البلاد وزعزعة استقرارها، وفي مقدمتها حركة «الماك» الإرهابية والشبكات المرتبطة بها.
أظهرت التجربة الجزائرية، خلال العقود الماضية، أن مواجهة الإرهاب لا تبدأ عندما يرفع الإرهابي سلاحه، وإنما في مرحلة تسبق ذلك بكثير. وهنا تتضح أهمية العمل الاستعلاماتي الذي يسمح برصد المؤشرات، وتحليل المعطيات، وتحديد مصادر الخطر، وإحباط المخططات قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، وهو ما يفسر التفكيك المتواصل لخلايا الحركة الإرهابية وإفشال مخططاتها قبل أن ترى النور.
ويكتسب هذا البعد أهمية أكبر في البيئة الأمنية الجديدة، حيث أصبحت التنظيمات المعادية للدولة أكثر اعتمادا على الخلايا الصغيرة، والاتصالات السرية، والدعاية الرقمية، وتجنيد الأفراد، واستغلال شبكات التواصل الاجتماعي. ومن ثم، يبرز دور أجهزة الأمن ضمن منظومة وطنية متكاملة هدفها توفير المعلومات الضرورية وحماية مؤسسات الدولة والجبهة الداخلية من مختلف أشكال الاختراق والتهديد.
استباق التهديد.. مهمة ناجحة
يطرح تنظيم «الماك» الإرهابي قراءة أمنية مختلفة عن تلك التي كانت تفرضها الجماعات الإرهابية المسلحة خلال سنوات الأزمة الأمنية في الجزائر. فالتحدي هنا لا يرتبط باستخدام السلاح فقط، وإنما يمتد إلى محاولات ضرب تماسك الدولة واستغلال بعض الملفات الهوياتية والسياسية لتغذية خطاب انفصالي، فضلا عن توظيف الفضاء الإلكتروني في نشر الدعاية واستقطاب الأنصار.
ولهذا السبب، فإن مواجهة هذا النوع من التهديدات تتطلب عملا استعلاماتيا دقيقا يميز بين النشاط السياسي أو التعبير عن الرأي، وبين الأفعال التي تدخل في نطاق التجريم والإرهاب وفقا للقانون، بما يضمن حماية المجتمع ومؤسسات الدولة في إطار احترام الصلاحيات والقواعد القانونية.
ومن جهة أخرى، أبرزت التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب أن الاستباق أكثر فعالية وأقل كلفة من الانتظار. فالعملية الإرهابية، عندما تقع، لا تهدد الضحايا المباشرين فقط، وإنما قد تترك انعكاسات نفسية واقتصادية وسياسية وأمنية واسعة. وعليه، فإن جمع المعلومات وتحليلها وتبادلها بين المؤسسات المختصة يمثل خط الدفاع الأول عن المجتمع.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما تقوم به أجهزة الأمن التابعة للجيش الوطني الشعبي ضمن مفهوم الأمن الاستراتيجي للدولة، الذي يقوم على اكتشاف مصادر الخطر في وقت مبكر، وتفكيك الشبكات، ومنع انتقال التهديد من المستوى الافتراضي إلى المستوى الميداني.
وسمحت الخبرة المتراكمة للجزائر في مجال مكافحة الإرهاب بتطوير مقاربة تجمع بين الخبرة الميدانية والقدرة الاستعلاماتية والتنسيق المؤسساتي، وهي عناصر أصبحت أكثر أهمية في ظل التطور المستمر لوسائل التنظيم والاتصال لدى الجماعات المتطرفة.
وهذه الخبرة تمنح الجزائر قدرة أكبر على التعامل مع الأشكال الجديدة للتهديدات الأمنية، سواء تعلق الأمر بالجماعات الإرهابية التقليدية، أو بمحاولات استغلال الفضاء الرقمي، أو بشبكات التجنيد والدعاية التي تسعى إلى توسيع دائرة التأثير داخل المجتمع.
معركة المعلومات في الفضاء الرقمي
يعد الفضاء الإلكتروني اليوم أحد أهم ميادين الصراع الأمني. فالجماعات والتنظيمات المتطرفة لا تحتاج بالضرورة إلى وجود ميداني واسع حتى تؤثر في المجتمع، إذ يمكنها استخدام المنصات الرقمية لنشر الدعاية، واستقطاب الشباب، وبناء شبكات اتصال، ومحاولة خلق حالات من التوتر أو عدم الثقة داخل المجتمع.
وهنا تظهر قيمة العمل الاستعلاماتي في متابعة المؤشرات وتحليل الشبكات والروابط والأنماط، بالتوازي مع العمل القانوني والقضائي. وقد فرضت هذه البيئة على الأجهزة الأمنية تطوير أدواتها باستمرار، لأن الإرهاب المعاصر أصبح أكثر قدرة على التكيف مع الإجراءات الأمنية التقليدية، وأكثر اعتمادا على الوسائل الرقمية في التواصل والتجنيد والتأثير.
ومن هنا، تظهر مكافحة محاولات زعزعة الاستقرار كعمل متكامل تتقاطع فيه أدوار الجيش الوطني الشعبي والأجهزة الأمنية والعدالة ومؤسسات الدولة، إلى جانب دور المجتمع في رفض العنف وخطابات الكراهية والتطرف.
وفي هذا السياق، يؤدي الجيش الوطني الشعبي وظيفة أساسية تتمثل في توفير المعطيات والقدرات الاستعلاماتية التي تساعد على كشف المخاطر التي تستهدف أمن الدولة ومؤسساتها، بينما تتكامل هذه الجهود مع مختلف أجهزة الأمن والقضاء، كل وفق الصلاحيات التي يحددها القانون.
وتأتي النتائج الميدانية المتتالية، وفي مقدمتها تفكيك خلايا مرتبطة بالتنظيم الإرهابي «الماك» وإفشال مخططاته، لتؤكد فعالية هذه المقاربة الوقائية وقدرتها على قطع الطريق أمام محاولات استغلال أي ظرف سياسي أو أمني لضرب الجبهة الداخلية واستقرار البلاد.
استمرارية لحماية الوطن
يعكس استمرار تفكيك المخططات الإرهابية وإحباط محاولات المساس بأمن البلاد أهمية المنظومة الوقائية التي تطورت على مدى سنوات، والتي تواصل تحديث أدواتها وآليات عملها لمواجهة التهديدات الجديدة.
فالنجاح الأمني لا يظهر للرأي العام في كثير من الأحيان، لأن أفضل عملية أمنية هي، في حالات عديدة، تلك التي يتم إحباطها قبل أن تقع، وتلك التي تمنع الخطر من الوصول إلى الشارع أو تهدد حياة المواطنين ومؤسسات الدولة.
ومن ثم، فإن التصدي لمخططات هذا التنظيم الإرهابي وغيرها من التنظيمات التي تصنفها الدولة الجزائرية إرهابية لا يمثل معركة ظرفية، وإنما يندرج ضمن واجب وطني دائم لحماية البلاد ووحدتها واستقرارها، وتعزيز قدرة الدولة على اكتشاف التهديدات في مراحلها الأولى، وتحييدها قبل أن تتحول إلى خطر ميداني.
إنها معركة تقوم على اليقظة والاستباق ودقة المعلومة، وعلى منظومة أمنية تراكمت خبراتها عبر سنوات طويلة من مواجهة الإرهاب، بما يجعل حماية الوطن مسؤولية مستمرة تتطلب الجاهزية الدائمة، والقدرة على قراءة التحولات، وإفشال المخططات قبل أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
