تتخذّ الحكاية الشعبية، في زمن تتسارع الوسائط الرقمية وتتعدّد مصادر المعرفة والترفيه، مكانة خاصة باعتبارها أحد الأوعية التي حفظت ذاكرة المجتمع ونقلت تجاربه وقيمه من جيل إلى آخر. ومن هذا المنطلق، تكتسي الأنشطة الموجهة للأطفال أهمية تتجاوز الترفيه، عندما تجعل من الحكاية وسيلة للتعلم وتنمية الخيال وترسيخ الصلة بالتراث الثقافي غير المادي.
في هذا السياق، يشارك الحكواتي عبد الغني منير، المعروف باسم «غاني»، ضمن البرنامج الثقافي الذي تنظمه مؤسسة فنون وثقافة لولاية الجزائر، من خلال نشاط مخصّص للأطفال والعائلات، يقدّم فيه حكايات وألغازا شعبية، في محاولة لإعادة الاعتبار لفن الحكواتي بوصفه لونا من ألوان التعبير الثقافي المتوارث.
وأكد «غاني» في تصريح لـ»الشعب»، إن الهدف من تنشيط الورشات والعروض الترفيهية الموجهة للأطفال والعائلات لا يقتصر على خلق أجواء من الفرجة والمتعة، وإنما يتصل أيضا بـ»تعزيز المهارات والقدرات، وتنشيط مخيلة الطفل وذاكرته، ومساعدته على اكتساب المعرفة والمعلومات».
ويرى الحكواتي أن الحكاية تمتلك قدرة خاصة على مخاطبة الطفل، لأنها تجمع بين المتعة والفكرة، وبين التشويق والعبرة، موضحا أن الحكواتي يؤدي في الأساس وظيفة نقل الذاكرة، إذ «ينقل ذاكرة الأجداد والآباء بين الحاضر والماضي، حتى يستفيد منها الجيل الجديد في المستقبل».
وتحضر ـ في السياق ـ قيمة الحكاية باعتبارها أكثر من مجرد قصة تروى؛ فهي تحمل العبرة والدرس والموعظة والحكمة، وتمنح الطفل فرصة للتعلم بطريقة مختلفة، تقوم على الاستماع والتخيل والتفاعل، ولذلك، فإن حضور الحكاية الشعبية في الفضاءات الثقافية والترفيهية يمكن أن يفتح أمام الناشئة بابا للتعرّف على جزء من موروثهم الثقافي بأسلوب قريب من عالمهم.
ويؤكد «غاني» أن الحفاظ على التراث غير المادي «أمر ضروري للجيل الصاعد»، باعتباره جزءا من الهوية الوطنية والشخصية والأصالة، مشيرا إلى أن هذا التراث لا يقتصر على الحكايات الشعبية فقط، وإنما يشمل القصص والروايات والألغاز والبوقالات والشعر والأغاني والأهازيج.. وغيرها من الأشكال التعبيرية التي تناقلتها الأجيال.
ومن هنا، يبرز دور الفعل الثقافي الموجّه للأطفال في حماية هذا الرصيد من النسيان، خصوصا عندما يتمّ تقديمه في قالب فني يجمع بين المعرفة واللعب والفرجة، فإحياء التراث ـ حسب المتحدث ـ لا يعني العودة إلى الماضي بمعزل عن الحاضر، وإنما تحويل عناصره الحية إلى مادة يستفيد منها الطفل في بناء شخصيته ووعيه.
ويشدّد الحكواتي «غاني» على أن إحياء التراث وحمايته لدى الناشئة، يمثلان مدخلا للمساهمة في بناء حضارة ثقافية قائمة على العلم والمعرفة والقيم والمبادئ السمحة، معتبرا أن الحكاية تظلّ موردا فنيا جامعا قادرا على الجمع بين الأجيال، واستعادة الذاكرة، وفتح مساحات جديدة للخيال والإبداع.
ومن هذا المنطلق تتحوّل الحكاية الشعبية، في فضاء الطفل، من مجرد سرد للتسلية إلى وسيلة لحفظ الذاكرة وصون الهوية، وجسر يصل الماضي بالحاضر ويترك للجيل الجديد إمكانية مواصلة الحكاية.



