تخليص المستثمرين من «متاهات» الإدارة يسهل وصولهم إلى ورشات الإنتاج
المشاريع المعلنة مصانع منتجة في 2029.. التحدي يرفعـه الاقتصاد المنتصر
تتّجه الجزائر إلى مرحلة جديدة في مجال الاستثمار، تقوم على الانتقال من تسجيل المشاريع إلى الإنجاز الفعلي على أرض الواقع، ومع تجاوز عدد المشاريع المسجلة 20 ألف مشروع، تبرز أهمية الشباك الوحيد في تسهيل الإجراءات وتحييد البيروقراطية ومساعدة المستثمرين على تسريع إنجاز مشاريعهم، بما يساهم في خلق مناصب شغل وزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاستيراد ودعم التصدير.
قال الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي في تصريح لـ «الشعب»، إن الأرقام الحالية تؤكد أن الجزائر قطعت شوطا مهما في هذا المسار، مذكّرا بأن الوزير الأول، سيفي غريب، أعلن في ماي المنصرم تسجيل الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار أكثر من 20 ألف مشروع استثماري منذ دخول منظومة الاستثمار الجديدة حيز التنفيذ، بقيمة إجمالية معلنة تجاوزت 9 آلاف مليار دينار، أي نحو 67.5 مليار دولار، مع توقع خلق أكثر من 525 ألف منصب عمل.
وأضاف قاشي أن أهمية هذه الأرقام تكمن في التحدي الذي تطرحه، والمتمثل في الانتقال من آلاف المشاريع المسجلة إلى مشاريع مجسدة فعليا على أرض الواقع قبل نهاية 2029، وأشار إلى أن نجاح هذه المرحلة سيكون مرتبطا بمدى سرعة معالجة الملفات وتسهيل الإجراءات ومرافقة المستثمرين حتى دخول مشاريعهم حيز النشاط.
وأوضح قاشي أن رؤية رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تركز على إصلاح منظومة الاستثمار وتحرير المبادرة الاقتصادية وتقليص العراقيل الإدارية باعتبارها محاور أساسية لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، وقال إنّ تأكيد رئيس الجمهورية على دور الشباك الوحيد يعكس توجها واضحا لجعل هذه الآلية أداة فعلية لتسهيل الاستثمار وتذليل الصعوبات والعقبات، خاصة البيروقراطية، وتمكينها – قانونا – من مباشرة ومتابعة العمليات المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية.
وأكّد قاشي أنّ الشباك الوحيد يمثّل تغييرا حاسما في فلسفة العلاقة بين المستثمر والإدارة، بحيث لا يضطر صاحب المشروع إلى التنقل بين مختلف الإدارات للحصول على الرخص والوثائق والموافقات، وإنما يجد محورا واحدا قادرا على تنسيق تدخل مختلف المصالح وتسريع معالجة ملفه، وأضاف أن التطورات الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ منذ 26 جويلية 2026 تعزز هذا التوجه، إذ أصبح بإمكان المتعاملين الاقتصاديين القيام بعدد من الإجراءات المرتبطة بعقود التعمير، ورخص الاستغلال، ورخص العمل، وإنشاء الشركات، والقيد في السجل التجاري، والإجراءات الجبائية والرسوم المرتبطة بإنجاز المشاريع، عبر الشباك الوحيد دون الحاجة إلى التنقل بين مختلف الإدارات.
وقال محدثنا إنّ القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا الإصلاح تكمن في تقليص الزمن الإداري، وبالتالي تقليص تكلفة الاستثمار؛ لأن تأخر الرخص أو الوثائق يحمّل المستثمر تكاليف إضافية مرتبطة بالأجور والكراء والتمويل، كما قد يؤدي إلى ضياع الفرص في السوق أو التأخر عن تنفيذ عقود كان يمكن إطلاقها في وقت أبكر.
وأشار قاشي إلى أنّ المؤشرات المسجلة تؤكد وجود تقدم في هذا المسار، موضحا أنه في ديسمبر 2025 كانت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار قد سجّلت أكثر من 19 ألف مشروع بقيمة 8242 مليار دينار، أي حوالي 61 مليار دولار، قبل أن يتجاوز العدد 20 ألف مشروع بعد بضعة أشهر، وترتفع القيمة المعلنة إلى أكثر من 9 آلاف مليار دينار، كما أبرز أن أكثر من ثلثي المشاريع التي صرحت الوكالة بمستوى تقدمها كانت قد دخلت مرحلة الاستغلال أو كانت قيد الإنجاز، بنسبة بلغت 68 بالمائة وفق تصريحات المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار في ماي 2026.
وفي السياق ذاته، قال قاشي إنّ طبيعة المشاريع المسجلة تكشف عن تحول مهم في السياسة الاقتصادية، مشيرا إلى أن عدد المشاريع التي تستهدف إحلال الواردات بالإنتاج المحلي تجاوز 7600 مشروع، بقيمة إجمالية تقدر بـ 27.4 مليار دولار، مع توقع خلق أكثر من 270 ألف منصب عمل، وأضاف أن هذه الأرقام تعكس ارتباط الاستثمار بشكل مباشر بأحد أهم تحديات الاقتصاد الجزائري، والمتمثل في الانتقال من سوق تعتمد على المنتجات المستوردة إلى اقتصاد ينتج ويصنع ويصدر، مع تعزيز القيمة المضافة المحلية، مؤكّدا أن هذا التوجه يسمح بخلق المزيد من فرص العمل، ودعم المؤسسات المحلية، ورفع قدرة الجزائر على التصدير والمنافسة في الأسواق الخارجية.
وأوضح قاشي أن بلوغ هدف 20 ألف مشروع استثماري مجسد قبل نهاية 2029، لا يقاس بعدد شهادات التسجيل، إنما بعدد المشاريع التي دخلت مرحلة الإنتاج، وحجم الاستثمارات المنجزة، ومناصب العمل المستحدثة، وقيمة الإنتاج المحلي والصادرات، ونسبة الإدماج المحلي، إضافة إلى ما تحققه المشاريع من إحلال للواردات، وأكد أن دور الشباك الوحيد يجب أن يتجاوز استقبال المستثمر إلى مرافقة المشروع من الفكرة إلى التجسيد، خاصة أن العراقيل ترتبط بالعقار والرخص والربط بالكهرباء والغاز والمياه والتمويل والإجراءات الجمركية، وأضاف أن منح ممثلي الإدارات والهيئات العمومية صلاحيات قانونية وتفويضات للإمضاء واتخاذ القرارات مباشرة، سيساهم في تبسيط الإجراءات وتسريع معالجة الملفات وتقليص آجال إنجاز المشاريع.
وتابع محدثنا يقول إن المستثمر – بعد الحصول على شهادة التسجيل – يحتاج إلى مرافقة فعلية تشمل العقار ورخص البناء والربط بالشبكات والتجهيزات والتمويل، واستيراد معدات الإنتاج عند الحاجة، وصولاً إلى رخص الاستغلال ثم الإنتاج والتسويق والتصدير.



