آليــات متـعدّدة لتحويـــل الالتــزامـــات المشتركـــة إلى إجـــراءات عمليـــة
تجدّد الجزائر من خلال حضورها في مجلس السلم والأمن للاتحاد الإفريقي، طرح مقاربة متكاملة للوقاية من النزاعات وتسويتها وبناء سلام مستدام في القارة، تقوم على ترسيخ حقوق الإنسان وتعزيز العدالة وسيادة القانون، إلى جانب إشراك مختلف الفواعل الوطنية والقارية في معالجة الأزمات من جذورها.
تنطلق الرؤية من قناعة مفادها أنّ بناء إفريقيا آمنة ومستقرّة يبدأ بمعالجة البيئة، التي تفرز التوترات قبل تحولها إلى نزاعات، خاصة أنّ أسباب الأزمات الإفريقية غالبا ما تتشكّل من تداخل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية.
وفي هذا الإطار، أكّد سفير الجزائر وممثلها الدائم لدى مجلس السلم والأمن الإفريقي، ورئيس المجلس لشهر أوت الجاري، محمد خالد، أنّ احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية يمثل ركيزة للسلام والأمن والاستقرار المستدام في إفريقيا، داعيا إلى تعزيز التعاون بين مجلس السلم والأمن واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وتحويل الالتزامات المشتركة إلى إجراءات عملية.
وجاء ذلك خلال اجتماع بين مجلس السلم والأمن واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، عقد بأديس أبابا، وخصّص لمناقشة موضوع «الجهود المشتركة لإعمال حقوق الإنسان كرافد للسلام».
حقوق الإنسان في صميم العمل الوقائي
تضع المقاربة الجزائرية الإنسان في قلب منظومة الوقاية من النزاعات وتسويتها، من خلال الربط بين السلام والعدالة والتنمية والمؤسّسات والحوار. وتستند هذه الرؤية إلى قراءة للتجارب الإفريقية التي أظهرت أنّ الاتفاقات السياسية والأمنية تظل عرضة للانتكاس عندما لا تترافق مع معالجة الأسباب العميقة للأزمات وتوفير شروط المصالحة والتنمية والاستقرار.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل خاص في عدد من دول الساحل، حيث كشفت تجارب متكرّرة أنّ استمرار الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للأزمات يمكن أن يحول المطالب المحلية إلى مطالب سياسية، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهات ونزاعات مسلّحة. ومن هذا المنطلق، ترى الجزائر أنّ معالجة جذور الأزمات تشكّل مدخلا أساسيا لمنع تجدّدها وترسيخ الاستقرار. وتستند الدعوة الجزائرية إلى ترسيخ المقاربة القائمة على حقوق الإنسان إلى المبادئ التي كرّستها مواثيق الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، باعتبار حماية حقوق الإنسان وتعزيز الثقة في المؤسّسات وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية عناصر أساسية لبناء سلام قادر على مواجهة الأزمات المستقبلية.
وتضع هذه المقاربة الوقاية في مقدمة الأولويات، من خلال رصد مؤشّرات الخطر، والاستماع إلى الأطراف المعنية، ومعالجة أسباب التوتر، وتفعيل الوساطة، ودعم المؤسّسات الوطنية والإفريقية، وضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما تدفع نحو الجمع بين مسارات حقوق الإنسان والسلم والأمن والحوكمة ضمن رؤية إفريقية شاملة، قوامها معالجة القضايا الإفريقية بأدوات إفريقية.
تنسيق مؤسّساتي واستباق للأزمات
تحمل المقاربة الجزائرية كذلك بعدا مؤسّساتيا يقوم على تعزيز التنسيق المستمر بين الأجهزة والهيئات المختصة، وتبادل المعلومات، ورصد مؤشّرات التوتر، والتحرّك في الوقت المناسب قبل وصول الأوضاع إلى مراحل يصعب فيها احتواء الأزمة. ويعني ذلك الانتقال من إدارة الأزمات بعد اندلاعها إلى بناء منظومة إنذار مبكّر قادرة على التقاط المؤشّرات الأولية للتوتر، بما يسمح بتفعيل الوساطة والحوار ومعالجة الأسباب قبل تحولها إلى نزاع مفتوح. كما ينسجم هذا الطرح مع مفهوم الوقاية من النزاعات واستدامة السلام الذي تعزّز حضوره في أجندة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
المجتمع المدني.. همزة وصل مع المجتمعات
يحتل المجتمع المدني موقعا محوريا في الرؤية الجزائرية، خاصة في مجالات الإنذار المبكّر والوقاية من النزاعات والوساطة وبناء السلام. وشدّد ممثل الجزائر على أهمية المنظمات غير الحكومية باعتبارها أكثر قربا من المجتمعات المحلية، وأقدر على رصد التحولات الاجتماعية ومؤشّرات التوتر التي قد لا تظهر في التقارير الرسمية خلال المراحل الأولى.
وتمنح هذه المكانة المجتمع المدني قدرة على المساهمة في الكشف المبكّر عن مصادر التوتر، ونقل انشغالات المجتمعات المحلية، والمشاركة في جهود الوساطة والمصالحة. وترتبط فعالية هذا الدور بالحفاظ على استقلالية المنظمات ومصداقيتها وشفافية عملها، والنأي بها عن الاستغلال لخدمة أجندات سياسية أو مصالح ضيقة. ومن شأن توسيع مشاركة المجتمع المدني، وفق هذه الرؤية، أن يعزّز البعد المجتمعي للوقاية من النزاعات، ويجعل جهود بناء السلام أكثر ارتباطا بالواقع المحلي واحتياجات السكان.
آليات متابعة لتحويل الاتفاقات إلى نتائج
تبرز ضمن المقاربة الجزائرية أهمية متابعة تنفيذ القرارات والتوصيات الصادرة عن الأجهزة التداولية للاتحاد الإفريقي، وفق آليات ومصفوفات واضحة، بما يضمن الانتقال من الالتزامات السياسية إلى إجراءات ملموسة.
وتستخلص هذه الرؤية دروسا من تجارب سابقة، أظهرت أن التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لا يمثل بالضرورة نهاية النزاع، خاصة عندما تبقى الأسباب التي أدت إليه قائمة أو عندما تتعطّل الالتزامات المتفق عليها. لذلك، تقترح المقاربة الجزائرية إنشاء آليات متابعة تضمن تنفيذ الاتفاقات وتجسيد التعهّدات على أرض الواقع، بما ينعكس على حياة الفرد والمجتمع واستقرار الدولة.
وفي هذا السياق، تندرج الدعوة إلى عقد اجتماع كل سنتين بين مجلس السلم والأمن وجميع اللجان والهيئات التابعة للاتحاد الإفريقي المعنية بحقوق الإنسان والحوكمة والديمقراطية، بهدف تعزيز التنسيق وتوحيد الجهود والارتقاء بفعالية الأداء وتحقيق نتائج ملموسة.
وتعكس هذه الدعوة رغبة في بناء جسور مؤسّساتية بين مسار السلم والأمن من جهة، ومسارات حقوق الإنسان والحوكمة والديمقراطية من جهة أخرى، بما يوفّر رؤية أكثر شمولية لمعالجة الأزمات الإفريقية. فالنزاعات في القارة غالبا ما تكون نتاج تفاعل عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ومؤسّساتية، الأمر الذي يجعل معالجتها بحاجة إلى استجابة متعدّدة الأبعاد ومتكاملة.
وبذلك تقدّم الجزائر رؤية تقوم على الوقاية قبل اندلاع النزاعات، وإشراك الفواعل الوطنية والقارية، وربط الأمن بحقوق الإنسان والتنمية والحوكمة، مع تعزيز آليات المتابعة والتنفيذ. وهي مقاربة تجعل من بناء السلام عملية مستمرّة تبدأ بمعالجة أسباب الأزمة وتمتد إلى ضمان تنفيذ الاتفاقات وترسيخ الثقة والمؤسّسات، بما يساهم في بناء أمن إفريقي أكثر استدامة وقدرة على الصمود.



