ترشيد استهلاك المياه.. يقظة جماعية لحماية المورد الحيوي وتعزيز الأمن الصحـــــــي
حمايـــــة المياه تبدأ من السلوك اليومــي.. دعوة وطنيـــــة لوقف التبذير والتسرّبـــــــات
دعت وزارة الرّي والوكالة الوطنية للأمن الصّحي المواطنين ومختلف الفاعلين إلى تعزيز الممارسات الكفيلة بترشيد استهلاك المياه، باعتبارها موردا حيويا وثروة وطنية مشتركة، مؤكّدة أنّ الحفاظ عليها يرتبط بشكل مباشر بحماية الصحة العمومية وتعزيز الأمن الصّحي وضمان استدامة الاحتياجات الأساسية للسكان.
أكّدت الهيئتان، في بيان مشترك، أنّ توفير مياه آمنة وصالحة للشرب يشكّل أحد المقومات الأساسية لحماية صحة الإنسان وتحسين نوعية الحياة ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتواجه الموارد المائية – في المقابل – ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحرّ وتراجع التساقطات وتفاقم فترات الجفاف، الأمر الذي يفرض تعزيز اليقظة وترسيخ سلوكيات مسؤولة في استعمال المياه.
وأوضح البيان المشترك أنّ تراجع توفر الموارد المائية أو محدودية الوصول إلى مياه سليمة وبكميات كافية، يمكن أن ينعكس على مختلف المجالات البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، لاسيما مع تزامن موجات الحرّ مع فترات الجفاف، بما قد يرفع مخاطر الجفاف الحاد والإجهاد الحراري وبعض المخاطر المرتبطة بجودة المياه، ومنها الأمراض المتنقلة عن طريق المياه.
وفي ظل هذه المعطيات، شدّدت وزارة الري والوكالة الوطنية للأمن الصحي على أهمية التدبير العقلاني للمياه في الحياة اليومية، باعتباره أحد المكونات الأساسية لحماية الصحة العمومية والحفاظ على الموارد المائية، ويتطلّب ذلك تعبئة السلطات العمومية والمتعاملين ومختلف المستعملين، إلى جانب اعتماد سلوكيات عملية للحدّ من الاستهلاك غير الضروري وتقليص ضياع المياه.
أربعة مستويات لليقظة..
اقترح البيان المشترك أربعة مستويات متكاملة، باعتبارها إطارا إرشاديا للتوعية واليقظة واستباق الآثار المحتملة للجفاف، مع تكييف الإجراءات تدريجيا وفقا لتطور الوضعية المائية.
ويتمثل المستوى الأول في «اليقظة»، ويهدف إلى متابعة المؤشّرات الأولية للإجهاد المائي وتنبيه المواطنين والقطاعات المعنية إلى ضرورة اعتماد سلوكيات مسؤولة وترشيد الاستهلاك والحد من الاستخدامات غير الضرورية.
أمّا مستوى «الإنذار»، فيفعّل عند تسجيل ضغوط ملموسة على الموارد المائية، ويتضمّن اتخاذ تدابير للحد من بعض الاستخدامات غير الأساسية، بالتوازي مع تكثيف حملات التوعية والتحسيس بأهمية الاقتصاد في استهلاك المياه.
ويأتي مستوى «الإنذار المعزّز» عند استمرار تدهور الوضعية المائية وتصاعد الضغط على الموارد المتاحة، حيث تقتضي المرحلة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لترشيد الاستهلاك والحفاظ على المخزون المائي، تفاديا للوصول إلى وضعية حرجة.
وبخصوص المستوى الرابع والمتعلق بـ»الأزمة»، فإنه يكون عند بلوغ الوضعية المائية مرحلة حرجة تستدعي إعطاء الأولوية المطلقة لتأمين مياه الشرب والاستعمالات الصحية ومتطلّبات السلامة العامة، مع تقييد معظم الاستخدامات الأخرى بما يضمن الحفاظ على الاحتياجات الحيوية للسكان.
وأكّدت الهيئتان أنّ هذه المستويات تندرج ضمن إطار إرشادي للتوعية واليقظة، في حين تعود تدابير تقييد استعمالات المياه ذات الطابع التنظيمي إلى السلطات المختصة، وتطبّق وفقا للنصوص والإجراءات المعمول بها.
سلوكيات يومية للحدّ من التبذير
في الجانب المتعلق بالممارسات اليومية، دعت وزارة الرّي والوكالة الوطنية للأمن الصحي إلى تجنّب تبذير المياه وحصر استعمالها في الاحتياجات الضرورية، فضلا عن تفادي استخدام المياه الصالحة للشرب في أغراض يمكن توفير بدائل لها، كما شدّدتا على أهمية عدم ترك الصنابير مفتوحة دون حاجة، وإصلاح الحنفيات وشبكات المياه الداخلية التي تعرف تسرّبات، إلى جانب مراقبة الاستهلاك داخل المنازل والمؤسّسات والتدخّل عند تسجيل ارتفاع غير عادي في الكميات المستعملة.
ودعت الهيئتان إلى التبليغ الفوري عن التسرّبات والأعطاب التي تسجّل على شبكات توزيع المياه أو بالطريق العمومي لدى المؤسّسات المكلفة بالخدمة العمومية للمياه والمصالح المختصة للجماعات المحلية، خاصة أنّ الحد من ضياع المياه في شبكات التوزيع يمثل أحد المجالات المهمة لترشيد المورد.
وتشمل الممارسات الموصى بها ترشيد سقي الحدائق والمساحات الخضراء، وتفادي السقي خلال ساعات الحرّ الشديد، واعتماد وسائل مقتصدة للمياه، لاسيما الرّي بالتنقيط، إلى جانب الحد من غسل المركبات والأرصفة والمساحات الخارجية إلا عند الضرورة، وفي الأماكن المخصّصة لذلك.
ودعت الهيئتان في بيانهما المشترك إلى تأجيل ملء أو تجديد مياه الأحواض والمسابح الخاصة خلال فترات التوتر المائي، وإعطاء الأولوية لمياه الشرب والاستعمالات الصحية الأساسية، مع ترسيخ ثقافة المحافظة على المياه داخل الأسرة والمدرسة والمحيط المهني.
حماية المياه تبدأ من السلوك
شدّد البيان المشترك على ضرورة حماية مصادر المياه من التلوث، من خلال عدم رمي النفايات والمواد الملوثة في الأودية والمجاري المائية أو في محيط الآبار والمنشآت المائية، بالنظر إلى انعكاسات ذلك المباشرة على نوعية المياه وصحة الإنسان والبيئة، كما أشار إلى أهمية إعادة استعمال المياه المستعملة المصفاة في بعض الاستخدامات، مثل غسل الطرقات وسقي الحدائق والمساحات الخضراء، بما يسمح بتقليص الضغط على الموارد المائية التقليدية.
وأكّدت وزارة الرّي والوكالة الوطنية للأمن الصحي أنّ حماية الموارد المائية تتجاوز الإجراءات التقنية والإدارية لتشمل السلوك الفردي والجماعي، واعتبرتا أنّ ترشيد الاستهلاك، حتى في أبسط الاستخدامات اليومية، يمكن أن يساهم في الحد من الضغط على الموارد وضمان استدامتها.
وتأتي هذه الدعوة في سياق تنامي التحديات المرتبطة بالمناخ وتزايد الحاجة إلى إدارة أكثر عقلانية للموارد المائية، بما يضمن توفير المياه للاحتياجات الأساسية للسكان ويحافظ على الصحة العمومية ويعزّز الأمن الصحي، مع ترسيخ ثقافة جماعية تقوم على المسؤولية في التعامل مع الماء باعتباره ثروة وطنية وحقا للأجيال الحالية والقادمة.



