تحويل النمو الزراعي إلى قيمة اقتصادية مستدامة خارج المحروقات
تصدير المنتجات الفلاحية.. من تصريف الفوائض إلى استهداف الأسواق
الرهان الحقيقي للفلاحة يبدأ ببناء العقود والمسارات اللوجستية المستقرّة
أكّد الخبير الاقتصادي عبد القادر بريش أنّ مشاركة الجزائر كضيف شرف في معرض الفلاحة بسلوفينيا تتجاوز الطابع البروتوكولي أو الدبلوماسي، لتشكّل مؤشّرا على تنامي الحضور الاقتصادي الجزائري في الفضاء الأوروبي، وفرصة لتعريف الأسواق الخارجية بالقدرات التي راكمها القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية، خلال السنوات الأخيرة.
قال بريش في تصريح لـ»الشعب» إنّ المشاركة الجزائرية تندرج ضمن مرحلة جديدة من مسار الفلاحة، انتقلت فيها الأولويات تدريجيا من رفع الإنتاج وتلبية الطلب الداخلي إلى البحث عن أسواق خارجية قادرة على استيعاب الفوائض، وتعزيز القيمة الاقتصادية للمنتجات الوطنية، كما يتوقّع أن يكون التموقع الجزائري في الأسواق الأوروبية واعدا خلال المرحلة المقبلة، في ضوء تطور الإنتاج وتنوّع المنتجات وتزايد الاهتمام الرّسمي بتوسيع قاعدة الصادرات خارج المحروقات.
وفي تحليله لأبعاد هذا الحدث الاقتصادي والتجاري، يرى بريش أنّ الحضور الجزائري في المعرض يفتح آفاقا لاستقطاب الاستثمارات والشراكات الأجنبية، وتسويق المنتجات الفلاحية والغذائية في أسواق أوروبا الوسطى والشرقية، بما ينسجم مع المسار الوطني لتنويع الاقتصاد وتعزيز الأمن الغذائي وتوسيع الوجهات التصديرية.
من العرض إلى بناء الشراكات
يؤكّد بريش أنّ قيمة المشاركة في معرض فلاحي أوروبي لا تتوقّف عند عرض المنتجات والتعريف بقدرات القطاع الزراعي، وإنما تكمن في اختبار مدى قدرة هذه المنتجات على دخول أسواق جديدة والاستجابة لمعايير المستهلك الأوروبي ومقتضيات المنافسة الدولية.
من هذا المنظور، يمثل اختيار الجزائر ضيف شرف في سلوفينيا، فرصة لتحويل الحضور الدبلوماسي إلى حضور اقتصادي وتجاري أكثر عمقا. ويمكن لهذا البلد أن يؤدي دورا في بناء جسور تجارية ولوجستية مع أسواق أوروبا الوسطى والشرقية، خاصة إذا رافقت المشاركة الرسمية اتصالات مباشرة بين المنتجين والمصدّرين الجزائريين والمستوردين والموزّعين الأوروبيين.
يتمثل الرهان الأساسي – يقول بريش – في الجمع بين ثلاثة أهداف مترابطة: زيادة الإنتاج الفلاحي، تلبية الطلب الداخلي، ثم توجيه جزء من الإنتاج القابل للتصدير نحو أسواق خارجية مستقرّة، ويعني ذلك الانتقال من مفهوم الفائض الزراعي الذي يبحث عن منفذ ظرفي إلى مفهوم أكثر تطورا يقوم على إنتاج سلع موجّهة منذ البداية إلى أسواق محدّدة، وفق احتياجاتها ومواصفاتها ومعاييرها الصحية والتجارية، وهنا تكمن أهمية التموقع في السوق الدولية – يؤكّد محدثنا – إذ إنّ القدرة على الإنتاج وحدها لا تكفي لبناء نشاط تصديري مستدام، فالمنتج يحتاج إلى سلسلة تبريد ونقل وتوضيب، وشهادات مطابقة، واستمرارية في التموين، ودراسة دقيقة للأسعار والمنافسين، إلى جانب شبكة من الشركاء التجاريّين القادرين على الوصول إلى المستهلك النهائي.
دلالات سياسية واقتصادية
على الصعيد السياسي، يرى بريش أن اختيار الجزائر ضيف شرف في دولة أوروبية يحمل دلالة تتجاوز المناسبة الفلاحية نفسها، باعتباره يعكس مستوى العلاقات الثنائية مع سلوفينيا ومكانة الجزائر المتنامية في الفضاء المتوسطي، أما اقتصاديا، فإنّ الحضور في معرض متخصّص يوفّر منصة مباشرة للتعريف بالتطور الذي شهده الإنتاج الفلاحي والصناعات الغذائية في الجزائر، سواء تعلق الأمر بالمنتجات الطازجة أو المنتجات المحولة.
ويشير بريش إلى أنّ الجزائر تمتلك إمكانات مهمة في مجالات زراعية متعدّدة، وهو ما يمنحها فرصة لتقديم صورة أكثر تنوعا عن اقتصادها خارج قطاع المحروقات؛ فالفلاحة لم تعد مرتبطة بتوفير المنتجات للسوق المحلية، وإنما أصبحت جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى خلق قيمة مضافة، وتطوير الصناعات التحويلية، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في التجارة الخارجية، ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة للاستثمار، يقول بريش، فالمعارض الدولية لا تستقطب المشترين وحدهم، بحكم أنها تتيح التواصل مع شركات تبحث عن فرص استثمار وشراكات إنتاجية، ويمكن للجزائر – وفق هذا التصور – استغلال حضورها لتقديم مشاريعها في مجالات الزراعة والصناعات الغذائية والتخزين والتحويل والتوضيب والخدمات اللوجستية.
ديناميكيات التسويق
في الجانب التجاري والتسويقي، أبرز بريش أهمية استهداف أسواق أوروبا الوسطى والشرقية ضمن استراتيجية تنويع الوجهات التصديرية، وقال إن هذه الأسواق تتميز بخصوصيات استهلاكية وتجارية يمكن أن تفتح أمام المنتجات الجزائرية فرصا جديدة، خاصة إذا جرى التعرّف بدقة على حاجاتها ومستويات الأسعار فيها وقنوات توزيع المنتجات الزراعية والغذائية.
وتبرز سلوفينيا – في هذا السياق – باعتبارها دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004، وتستخدم عملة اليورو، وهو ما يمنحها موقعا مهما ضمن المنظومة الاقتصادية الأوروبية، ولا يتعلق الرهان بحجم السوق السلوفينية وحده، وإنما بإمكانية الاستفادة من موقعها وعلاقاتها التجارية وشبكاتها اللوجستية للوصول إلى أسواق أخرى.
ويؤكّد هذا المعطى – وفق بريش – أنّ اختيار سوق التصدير لا ينبغي أن يعتمد على تعداد السكان أو حجم الاستهلاك المحلي، وإنما على الموقع الجغرافي، والبنية التحتية، وشبكات النقل، والقواعد الجمركية، وقدرة الشركاء المحليّين على إعادة توزيع المنتجات، ما يعني أنه يمكن لسلوفينيا أن تمثل بالنسبة للجزائر نقطة دخول إلى فضاء أوروبي أوسع، شريطة أن تتحول هذه الإمكانية إلى شراكات فعلية ومسارات تجارية مستقرّة.
ويرتبط فتح أسواق جديدة بهدف أوسع يتمثل في تقليص اعتماد الصادرات الجزائرية على عدد محدود من الوجهات والأسواق التقليدية، ويعتبر بريش أنّ تنويع الأسواق لا يقل أهمية عن تنويع المنتجات، لأنّ الاعتماد على وجهة واحدة أو مجموعة محدودة من الأسواق يجعل الصادرات أكثر تعرّضا للتقلّبات الاقتصادية والتجارية وتغيّرات الطلب، كما أنّ بناء حضور في أسواق جديدة يمنح المنتجين الجزائريين فرصة لفهم متطلبات المستهلكين خارج محيطهم التقليدي، وتطوير المنتجات وفق هذه المتطلبات، غير أنّ الاستفادة من الفرص الأوروبية تحتاج إلى قراءة دقيقة للإطار التنظيمي؛ فالسوق الأوروبية تقوم على معايير صارمة في مجالات السلامة الغذائية والتوضيب والتتبّع والمواصفات الصحية، ما يجعل رفع جودة المنتجات وتحسين أنظمة التصديق والمطابقة جزءا أساسيا من استراتيجية التصدير.
منصة للتسويق وجذب الاستثمار
يتقاطع هذا التحليل الاقتصادي مع التوجّهات الرسمية للدولة، فقد استحضر بريش ما أشار إليه وزير التعليم العالي، ممثل الجزائر في المعرض، من أهمية جعل سلوفينيا وعاصمتها منصة لتسويق المنتجات الجزائرية في دول أوروبا الوسطى، ويرى بريش أنّ هذا التصريح يعكس تفكيرا استراتيجيا راقيا يخدم الرؤية الشاملة التي تعمل عليها الجزائر حاليا، والمتمثلة في التنويع الاقتصادي الفعلي، واستغلال المزايا التنافسية للمنتجات الوطنية، وتعزيز قدرتها على المنافسة والدخول بها إلى الأسواق الخارجية بكل ثقة.
التحدي يبدأ بعد انتهاء المعرض
في قراءته الاستشرافية، يشدّد بريش على أنّ الرهان الحقيقي لا يبدأ من افتتاح المعرض، وإنما بعد انتهاء فعالياته، فالمشاركة الناجحة تقاس بقدرتها على إنتاج نتائج اقتصادية ملموسة: عقود تصدير، شراكات مستدامة، استثمارات مباشرة، اتفاقات توزيع، وفتح مسارات لوجستية منتظمة، وهنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية تصدير متكاملة تحدّد المنتجات ذات الأولوية، والأسواق المستهدفة، والمواصفات المطلوبة، وشبكات التوزيع، وتكاليف النقل، وهوامش الربح، وآليات تمويل العمليات التصديرية، ناهيك عن بناء علامة تجارية قادرة على ترسيخ صورة واضحة للمنتجات الوطنية في ذهن المستهلك الأجنبي، خصوصا أنّ المنافسة في الأسواق الأوروبية لا تقوم على السعر وحده، وإنما تشمل الجودة والتعبئة والأصل والموثوقية والاستمرارية.
الفلاحة تعيد تموقع الاقتصاد
خلص البروفيسور عبد القادر بريش إلى أنّ أهمية المشاركة الجزائرية في معرض الفلاحة بسلوفينيا تكمن في قدرتها على فتح مرحلة جديدة في علاقة القطاع الفلاحي بالأسواق الخارجية، فسلوفينيا، وفق هذه الرؤية، يمكن أن تتحول إلى نقطة ارتكاز محتملة نحو فضاء أوروبي أوسع، إذا تمكّنت الجزائر من بناء شبكة تجارية ولوجستية تستثمر موقعها وعلاقاتها داخل أوروبا.
أمّا الرهان الجزائري الأكبر، فيتعلق بتحويل النمو في الإنتاج الفلاحي إلى قيمة اقتصادية مستدامة، عبر تطوير الصناعات التحويلية، ورفع جودة المنتجات، وتوسيع قاعدة المصدّرين، واستقطاب الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة، وهنا تحديدا تبرز الأهمية الجيواقتصادية لهذا التحول؛ فالجزائر لا تبحث عن أسواق لتصريف منتجاتها، وإنما عن موقع جديد لمنتجاتها داخل خريطة التجارة الدولية، ومع تنامي الإنتاج وتوسّع الصناعات الغذائية، يمكن أن تصبح الزراعة إحدى الأدوات الرئيسية التي تساعد الاقتصاد الوطني على تنويع مصادر دخله، وبناء شراكات جديدة، وترسيخ حضوره في الأسواق الأوروبية والإقليمية.



