فتحت زيارة الوزير الأول ورئيس حكومة مالي، عبد الله مايغا إلى الجزائر صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، بعد مرحلة من التوتر ألقت بظلالها على مسار التعاون الثنائي، حيث جاءت في ظرف تسعى الجزائر وباماكو إلى إعادة تحريك قنوات الحوار، وتهيئة أرضية تسمح بتجاوز الخلافات واستعادة الثقة، بما يعيد للعلاقات الثنائية حركيتها ويخدم المصالح المشتركة.
تكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل موقع الجزائر ومالي ضمن منطقة الساحل التي تشهد تحوّلات سياسية وأمنية متسارعة، تجعل من استمرار الحوار والتنسيق بين البلدين ضرورة تفرضها التحديات المشتركة، لاسيما ما يتّصل بأمن الحدود والاستقرار الإقليمي ومكافحة الجماعات المسلّحة وشبكات الجريمة المنظمة والتهريب، كما تفتح هذه الخطوة المجال أمام معالجة الملفات العالقة بعيدا عن التصعيد، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على التواصل المباشر وإدارة الخلافات بالحوار.
في السياق، يرى المحلل السياسي رابح زاوي أنّ زيارة رئيس حكومة مالي إلى الجزائر تمثل «خطوة سياسية هامة لتثبيت مسار التهدئة»، مؤكّدا أنها لا تُختزل في إطار بروتوكولي، بالنظر إلى الظرف الذي تأتي فيه، ومستوى الرسائل السياسية التي تحملها.
وقال زاوي إنّ الزيارة تمثل «انتقالا سلسا وطبيعيا من إدارة القطيعة إلى إدارة الحوار المباشر»، موضّحا أنّ اللقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولي البلدين، من شأنها إعادة بناء قنوات الاتصال وتخفيف سوء الفهم، فضلا عن البحث عن آليات تتيح إدارة الخلافات وتفادي تحول الحوادث أو التباينات إلى أزمات دبلوماسية جديدة، وأضاف أنّ أهمية الزيارة تكمن في كونها تؤكّد استمرار مكانة الجزائر كفاعل محوري في منطقة الساحل، مشيرا إلى أنّ طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة تجعل التعامل مع قضايا الأمن والاستقرار صعبا، بمعزل عن دور الجزائر ومقاربتها القائمة على الحوار وحسن الجوار واحترام سيادة الدول.
وشدّد زاوي على أنّ طي صفحة الخلافات الجزائرية-المالية لا يمكن أن يتم بقرار واحد، وإنما يتطلّب مسارا تدريجيا يقوم على خطوات عملية ومتواصلة، فعودة التواصل السياسي تمثل أرضية مهمة، لكن تثبيت التقارب يستوجب معالجة أسباب التوتر وإعادة بناء الثقة، خاصة في ظل استمرار التباين في بعض الملفات المرتبطة بالأزمة المالية ومستقبل التسوية السياسية والوضع في شمال مالي.
ويرى زاوي أنّ نجاح المرحلة المقبلة يتطلّب قدرا أكبر من الوضوح والحوار، خصوصا أنّ المقاربة الجزائرية تجاه الأزمة المالية تقوم على مبادئ راسخة، في مقدّمتها حسن الجوار وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة مالي ووحدتها الترابية، إلى جانب رفض التدخّلات الخارجية التي من شأنها تعقيد الوضع في منطقة الساحل.
التنسيق الأمني ضرورة مشتركة
على الصعيد الأمني، أكّد محدثنا أنّ تعزيز التعاون بين الجزائر ومالي أصبح أكثر إلحاحا، بالنظر إلى طبيعة الحدود المشتركة والتحديات التي تعرفها منطقة الساحل، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلّحة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة، فضلا عن اتساع المجال الصحراوي وصعوبة مراقبته.
ويعتقد زاوي أنّ التقارب الحالي يمكن أن يمهّد لاستعادة التنسيق وتبادل المعلومات وفتح قنوات اتصال أكثر انتظاما بين المؤسّسات المعنية، بما يسمح بالتعامل مع التطورات الحدودية في حينها، وتفادي سوء التقدير الذي قد يقود إلى توترات جديدة، غير أنّ المتحدث شدّد على أنّ التعاون الأمني لا ينبغي أن يقتصر على المقاربة العسكرية؛ لأنّ معالجة حالة عدم الاستقرار في شمال مالي تتطلّب، بالإضافة إلى الجانب الأمني، حلولا سياسية واجتماعية واقتصادية تعالج الأسباب التي تغذي التوتر.
الحوار أساس إدارة الخلافات
سياسيا، يرى زاوي أنّ الزيارة وفّرت فرصة لإعادة ترتيب العلاقات الجزائرية-المالية على أسس أكثر واقعية، من خلال تغليب الحوار المباشر في معالجة الملفات الخلافية وتفادي الإجراءات الأحادية والخطابات التصعيدية. واعتبر أنّ استئناف النقاش حول الملفات السياسية المرتبطة بالأزمة المالية يظل ضروريا، مع مراعاة التحوّلات التي عرفتها البلاد خلال المرحلة الانتقالية، والحفاظ على الثوابت المتعلقة بوحدة مالي وسيادتها وسلامة أراضيها.
وأكّد زاوي أنّ معالجة التحديات التي تواجه المناطق الشمالية من مالي تحتاج إلى حلول سياسية ومؤسّساتية، لأنّ المقاربة الأمنية وحدها لا يمكن أن تضمن استقرارا دائما، معتبرا أنّ الحوار يظل الوسيلة الأنجع لاحتواء الخلافات وفتح الطريق أمام تسويات قابلة للاستمرار.
المصالح الاقتصادية تدعم التقارب
لم يحصر محدثنا فرص إعادة بناء العلاقات في الجانبين السياسي والأمني، معتبرا أنّ التعاون الاقتصادي يمكن أن يشكّل قاعدة عملية لتثبيت التقارب بين الجزائر ومالي، وأشار إلى أهمية دفع التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والنقل، وتسهيل حركة الأشخاص والسلع، إلى جانب تطوير المناطق الحدودية، بما يحول التقارب السياسي إلى مصالح مشتركة ملموسة.
ويرى زاوي أنّ الجزائر تعمل على تعزيز استقرار محيطها الجنوبي وترسيخ حضورها في منطقة الساحل، بينما تحتاج مالي إلى شركاء إقليميين موثوقين ومنافذ اقتصادية تساعدها على مواجهة التحديات التي تمرّ بها، وقال إنّ زيارة عبد الله مايغا إلى الجزائر يمكن أن تشكّل «بداية فعلية لمرحلة جديدة» في العلاقات بين البلدين، ودعا – في السياق – إلى انتظام المشاورات السياسية، وتفعيل آليات التنسيق الأمني، ووضع قنوات واضحة لمعالجة الخلافات والحوادث الحدودية، إلى جانب دفع التعاون الاقتصادي والإنساني واعتماد خطاب رسمي متوازن يبتعد عن التصعيد.



