خط دبلوماسي ثابت في نصرة الشعوب واحترام سيـــــادة الدول
جددت الجزائر من سمرقند، دفاعها عن احترام القانون الدولي ورفض ازدواجية المعايير في تطبيقه، مؤكدة أن حماية حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ينبغي أن تشمل الجميع دون تمييز.
يأتي هذا امتدادا لخط دبلوماسي ثابت يربط بين تعزيز العمل متعدد الأطراف، واحترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وخلال أشغال المؤتمر العالمي الثاني عشر للشباب البرلمانيين المنعقد بسمرقند، وجهت الجزائر رسالتها إلى فئة برلمانية شابة ستكون معنية بصورة مباشرة بمستقبل النظام الدولي، وهي فئة تتأثر بشكل خاص بتداعيات الحروب والأزمات، سواء من خلال انعكاساتها على التعليم والعمل والصحة، أو عبر ما تفرزه من موجات نزوح وهجرة واضطرابات اجتماعية.
حقوق الشباب كل لا يتجزأ
ويحمل استحضار الجزائر لمعاناة الشباب الفلسطيني في غزة أمام مؤتمر دولي للشباب البرلمانيين دلالة سياسية وحقوقية واضحة، مفادها أن الحديث عن تمكين الشباب وبناء مستقبلهم لا يمكن فصله عن حقهم في الحياة والأمن والكرامة.
فحين يُحرم الشباب من التعليم والعمل والرعاية الصحية والاستقرار نتيجة الحروب، تصبح حماية حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني جزءا أساسيا من النقاش حول مستقبل الأجيال، وليس ملفا منفصلا عن قضايا التنمية والسلام.
ومن هذا المنطلق، شددت الجزائر على أن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تكون انتقائية، وأن واقع الشباب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، يستوجب حضورا فعليا للقواعد الدولية التي تكفل حماية المدنيين.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة من طبيعة المؤتمر نفسه، الذي جمع برلمانيين شبابا من مختلف دول العالم وناقش قضايا ترتبط بمستقبل الأجيال الجديدة ودورها في صناعة السياسات العامة. فطرح القضية الفلسطينية من هذه المنصة يضع مسألة حماية الشباب والمدنيين في صلب النقاش حول مستقبل النظام الدولي.
قاعدة واحدة للجميع
تكمن أهمية الموقف الجزائري في سمرقند في طرح القضية من زاوية مبدئية قابلة للتعميم: القانون الدولي يفقد جزءا من مصداقيته عندما تطبق قواعده بصورة متفاوتة من حالة إلى أخرى.
فإذا كانت حماية المدنيين مبدأ دوليا، فإنها ينبغي أن تشمل المدنيين دون اعتبار لهوية الضحية أو المعتدي، وإذا كان تقرير المصير حقا معترفا به، فإن احترامه ينبغي أن يستند إلى المرجعيات نفسها في مختلف الحالات. والأمر ذاته ينطبق على حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الربط الذي تقيمه الجزائر بين القانون الدولي وكرامة الإنسان ومعاناة الشباب الفلسطيني، إذ تتجاوز الرسالة حدود الوضع في غزة لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بالفجوة بين القواعد التي أقرها المجتمع الدولي وبين ضمان تطبيقها بصورة عادلة ومتساوية.
موقف جزائري ثابت
وتندرج هذه الدعوة ضمن موقف جزائري راسخ يقوم على الدفاع عن عالمية القانون الدولي ورفض ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات والنزاعات.
وتضع الجزائر احترام قواعد القانون الدولي وحماية المدنيين وحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في صلب مقاربتها للأزمات الدولية، انطلاقا من أن هذه المبادئ لا ينبغي أن تخضع لموازين القوة أو الحسابات السياسية.
ولا يتوقف هذا الموقف عند القضية الفلسطينية، وإنما يعكس رؤية أوسع تعتبر أن القواعد القانونية الدولية يجب أن تطبق على جميع الأطراف وفي مختلف النزاعات، بعيدا عن موقع الدولة أو وزنها السياسي.
قضية ثابتة في السياسة الجزائرية
وقد ترجمت الجزائر هذا التوجه داخل المؤسسات متعددة الأطراف، لاسيما خلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2024-2025، حيث حظيت القضية الفلسطينية وحماية المدنيين وضرورة احترام القانون الدولي الإنساني بمكانة بارزة في تحركها الدبلوماسي.
وصوتت الجزائر لصالح القرار 2728 الصادر في 25 مارس 2024، الذي طالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة خلال شهر رمضان، والإفراج الفوري وغير المشروط عن الرهائن، وتعزيز إيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين.
كما صوتت في جوان من العام نفسه لصالح القرار 2735، الذي أيد مقترحا لوقف إطلاق النار في غزة، والإفراج عن الرهائن وإعادة إعمار القطاع، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية.
ويعكس هذا التحرك مكانة القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية الجزائرية، باعتبارها موقفا يتجاوز الظرف السياسي الراهن، ويرتبط بدعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما تؤكد الجزائر باستمرار أن معالجة القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في الجانب الإنساني، لأن جذور الأزمة ترتبط باستمرار الاحتلال وغياب تسوية سياسية عادلة تستند إلى الشرعية الدولية.
القانون الدولي مرجعية مشتركة
وتتجاوز المقاربة الجزائرية القضية الفلسطينية إلى مختلف الأزمات الإفريقية والدولية، من خلال التأكيد على أولوية الحوار والحلول السياسية واحترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، إلى جانب معالجة جذور النزاعات والوقاية من تحولها إلى أزمات إنسانية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، تنسجم الدعوة إلى تطبيق القانون الدولي «دون انتقائية» مع موقف جزائري متكرر من ازدواجية المعايير في النظام الدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
وخلال عضويتها في مجلس الأمن، دافعت الجزائر عن تغليب الوقاية والوساطة والحلول السياسية على منطق القوة، انسجاما مع موقفها التاريخي الداعي إلى تسوية النزاعات بالوسائل السلمية واحترام ميثاق الأمم المتحدة.
كما يندرج تركيزها على القانون الدولي الإنساني ضمن مقاربتها للقضايا الإفريقية، من خلال دعم جهود الوقاية من النزاعات والوساطة وحماية المدنيين ومعالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.
وهكذا، تأتي رسالة الجزائر من سمرقند لتؤكد أن الدفاع عن حقوق الشباب الفلسطيني يمثل جزءا من رؤية أوسع تدافع عن عالمية القانون الدولي، وتكافؤ الدول أمام قواعده، وتعزيز العمل متعدد الأطراف، بما يعيد الاعتبار لمبادئ العدالة والمساواة في العلاقات الدولية.


