غزارة الأمطار لا تعني بصفة تلقائية امتلاء السدود
الرقمنة.. أداة فعالة لكشف التسربات وتوقع الطلب
الإدارة الاستشرافية للمياه صمام أمان للأجيال القادمة
تواصل الجزائر تعزيز أمنها المائي، من خلال خيارات استراتيجية متعددة، في مقدمتها تحلية مياه البحر، وتعبئة موارد جديدة، وتحويل المياه، وتطوير المنشآت والبنى التحتية، إلى جانب توسيع عمليات معالجة وإعادة استعمال المياه المستعملة، ونبه الخبير في الموارد المائية، علي فوراري، أن الواقع المائي العالمي يفرض الانتقال تدريجيا من منطق البحث عن موارد إضافية فقط إلى ثقافة تقوم على الاستباق، والتوفير، والحفاظ على كل قطرة.
وقال الخبير فوراري، “إن الحديث عن وضعية المياه لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للتهويل أو إثارة الهلع، بقدر ما يجب أن يكون مناسبة لفهم واقع أصبح يفرض نفسه على مختلف دول العالم، باعتبار المياه موردا يزداد أهمية وحساسية واستراتيجية، في ظل ضغوط متعددة تتجاوز في أسبابها الحدود الوطنية”.
وأوضح محدثنا أن الضغط المتزايد على الموارد المائية يرتبط بعوامل عالمية عديدة، بينها التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وتغير الدورة الهيدرولوجية، وتكرار فترات الجفاف، فضلا عن النمو السكاني والتوسع العمراني والارتفاع المستمر للاحتياجات الفلاحية والصناعية والمنزلية.
بالنسبة للجزائر، تضاف إلى هذه العوامل مجموعة من الخصائص الطبيعية، أبرزها شساعة المساحة، وتذبذب التساقطات المطرية وعدم انتظام توزيعها، إلى جانب التفاوت بين المناطق التي تتوفر فيها الموارد المائية وتلك التي تتركز فيها الساكنة والأنشطة الاقتصادية.
وأوضح الخبير فوراري أن التغير المناخي يزيد من تعقيد المعادلة المائية، مع ضرورة تفادي إرجاع كل موجة جفاف أو ارتفاع في درجات الحرارة إليه بشكل مباشر، غير أن ارتفاع الحرارة -حسبه- يؤدي إلى زيادة معدلات النتح والتبخر، ويرفع احتياجات المحاصيل، كما يجعل فترات العجز المطري أكثر صعوبة، وهو ما يجعل التحدي لا يرتبط فقط بكمية الأمطار المتساقطة، وإنما أيضا بقدرتنا على تخزينها واستغلالها بالشكل الأمثل.
المياه الجوفية.. مخزون استراتيجي
وأولى الخبير أهمية خاصة للمياه الجوفية، مؤكدا أن الجزائر، ولحسن الحظ، لم تستنزف كل مخزوناتها الجوفية، غير أن بعض الطبقات المائية أصبحت تخضع لضغط متزايد، فيما قد تتجاوز عمليات السحب في بعض المناطق القدرة الطبيعية لهذه الطبقات على التجدد.
ولا يعني ذلك – حسب فوراري – ضرورة التوقف عن استغلال المياه الجوفية؛ لأنها تمثل مخزونا استراتيجيا يمكن الاعتماد عليه خلال فترات الجفاف والشدة المائية، مشيرا إلى أن عددا من الدول الأوروبية، ولا سيما إسبانيا وفرنسا، تلجأ بدورها إلى هذه الموارد خلال فترات الضغط المائي، بالتوازي مع تعزيز عمليات المراقبة وفرض قيود عندما تصل مستويات المياه إلى مراحل تستدعي الحذر.
وأكد فوراري أن الرهان الحقيقي، يكمن في تحقيق التوازن بين الاستغلال والتجدد، لأن الإشكال ليس في المياه الجوفية في حد ذاتها، وإنما في الإفراط في سحبها عندما يتحول ذلك إلى ممارسة غير مستدامة.
رفع كفاءة التخزين واسترجاع السعة المفيدة
ويمتد هذا التحدي إلى السدود، حيث أوضح محدثنا أن التوحل وتراكم الترسبات يمثلان – منذ سنوات – مشكلة تؤثر تدريجيا في السعة المفيدة لهذه المنشآت وفي فعاليتها، لافتا إلى أن الأمطار الغزيرة لا تتحول تلقائيا إلى مخزون مائي، بل يمكن لجزء منها أن يجري بسرعة كبيرة، متسببا في الفيضانات وحاملا معه كميات من الترسبات، دون أن يساهم بصورة مستدامة في ملء السدود أو تغذية الطبقات الجوفية.
ومن هنا تبرز أهمية -مثلما قال- مواصلة العمل على حماية الموارد المائية وتحسين مردودية المنشآت، إلى جانب تطوير وسائل التخزين والاستغلال بما يسمح بتحويل أكبر قدر ممكن من التساقطات إلى مورد قابل للاستفادة.
المياه المستعملة.. مورد قابل للاسترجاع
ومن بين المجالات التي يراها الخبير واعدة في تعزيز الأمن المائي، إعادة استعمال المياه المستعملة، بالنظر إلى الكميات المهمة التي تنتجها الجزائر يوميا.
وحسب فوراري، يتم إنتاج ما يقارب 7 ملايين متر مكعب من المياه المستعملة الحضرية يوميا، أي ما يعادل نحو 2.65 مليار متر مكعب سنويا، ورغم أنه لا يمكن استرجاع هذه الكمية بأكملها بصورة مباشرة، إلا أن جزءا كبيرا منها يمكن بعد المعالجة المناسبة، تحويله إلى مورد مفيد للقطاع الفلاحي، وبعض الاستخدامات الصناعية، إضافة إلى سقي المساحات الخضراء مثلما ذكر.
ويرى الخبير أن إعادة استخدام هذه المياه تمثل فرصة حقيقية، خصوصا في بلد تصبح فيه قيمة كل قطرة أكبر مع تنامي الاحتياجات، وعلى هذا الأساس فإن التحدي في المستقبل لا يقتصر على البحث عن مصادر جديدة، وإنما أيضا على استرجاع وإعادة توظيف أكبر قدر ممكن من المياه التي تم استهلاكها بالفعل.
التكنولوجيا لتحسين التسيير
بالموازاة مع ذلك، أكد فوراري أن التكنولوجيا الحديثة يمكن أن تؤدي دورا مهما في تحسين إدارة الموارد المائية، من خلال النماذج الرقمية وأنظمة المراقبة والخوارزميات التي تسمح بتحسين التنبؤ بالطلب، واكتشاف التسربات، ورفع أداء بعض الشبكات، غير أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع تغيير حقيقة أساسية، وهي أن الخوارزميات قادرة على تسيير المياه بصورة أفضل، لكنها لا تستطيع خلق المياه من العدم.
وأبرز فوراري، في هذا الإطار أن مسؤولية الحفاظ على الموارد لا يمكن أن توضع بالكامل على عاتق المواطن، رغم أهمية ترشيد الاستهلاك وتغيير بعض السلوكيات التي لا تتناسب مع ندرة المورد، فالحفاظ على المياه يتطلب أيضا معالجة التسربات في الشبكات، وتحسين كفاءة الري، والحد من الضغط على بعض الطبقات الجوفية، وصيانة السدود، ومراجعة الطريقة التي تتم بها إدارة هذا المورد الاستراتيجي بشكل عام.
من منطق رد الفعل إلى ثقافة الاستباق
وأوضح الخبير في المياه أن الرهان اليوم، لم يعد يقتصر على إنتاج المزيد من المياه، بل أصبح مرتبطا بقدرة الجزائر على الحفاظ على كل قطرة، واسترجاع المياه المستعملة، وتحسين توزيع الموارد المتاحة، وحمايتها بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة.
وفي هذا الصدد، دعا فوراري إلى الحذر من مقاربتين متناقضتين الأولى تقوم على التهويل والحديث عن الكارثة وكأن كل شيء قد ضاع، والثانية تتمثل في التقليل من حجم التحديات والاعتقاد بأن التحلية أو السدود أو البنى التحتية الجديدة قادرة وحدها على إنهاء المشكلة بصورة نهائية.
وأكد أن الجزائر لا تزال تمتلك إمكانات كبيرة لتعزيز أمنها المائي، بفضل مواردها ومشاريعها وخياراتها التقنية، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق رد الفعل إلى ثقافة فعلية تقوم على الاستباق والتوفير والحفاظ وحسن التسيير.
وأوضح الخبير أن التحدث عن واقع الموارد المائية لا يعني إثارة الخوف، وإنما يعكس شجاعة التعامل مع التحديات قبل تفاقمها، وتحويلها إلى فرصة لتطوير أساليب إدارة المياه، وترسيخ وعي جماعي يجعل من حماية هذا المورد مسؤولية مشتركة، ويضمن للجزائر قدرة أكبر على مواجهة المستقبل بثقة واستباقية.



