عطية لـ«الشعب»: توسيع الرقابة لتشمل فحوصا دورية
بوحاتم لـ«الشعب»: الردع آلية أساسية لمواجهة الظاهرة
رفعت الجزائر مكافحة المخدرات إلى مستوى يرتبط مباشرة بالأمن القومي وحماية المجتمع، بعدما أظهرت العمليات الأمنية المتتالية تطور نشاط الشبكات الإجرامية وتحوله إلى جريمة منظمة عابرة للحدود، تستند إلى التمويل ووسائل النقل والاتصال ومسارات لوجستية معقدة، فضلا عن شبكات لتبييض العائدات الإجرامية.
تقوم المقاربة الجزائرية على مواجهة متكاملة تستهدف شبكات التهريب والترويج ومصادر تمويلها، بالتوازي مع تشديد الردع وتوسيع آليات الوقاية وحماية المجتمع. وقد عكست العمليات الأخيرة حجم التحدي، من بينها العملية التي نفذتها مصالح أمن ولاية وهران وأسفرت عن حجز 228 كلغ من الكوكايين وتوقيف 20 مشتبها فيه، في قضية تشرف عليها الجهات القضائية المختصة.
وسبقت هذه العملية أخرى مكنت من حجز أكثر من 10.5 ملايين قرص مخدر و33 كلغ من الكوكايين، مع توقيف 27 شخصا ينتمون إلى شبكة تنشط داخل الجزائر وخارجها. وتكشف هذه القضايا أن مواجهة الظاهرة تتطلب تجاوز حجز الشحنات وتوقيف المنفذين، للوصول إلى ممولي الشبكات ورؤوسها وتعقب الأموال والممتلكات والامتدادات الخارجية التي تسمح لها بإعادة تنظيم نشاطها.
كما أن حماية الحدود، رغم أهميتها، تمثل حلقة ضمن منظومة أوسع، لأن الشحنات التي تدخل البلاد تحتاج إلى مخازن وموزعين ومسارات مالية، ما يجعل التنسيق بين الأجهزة الأمنية والمالية والقضائية ضروريا لضرب الشبكات في مختلف مراحل نشاطها.
مقاربة تجمع الردع والوقاية والعلاج
فرض تطور الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات تعزيز وسائل المواجهة، وهو ما تجسد في إنشاء هيئة أمنية متخصصة في مكافحة المخدرات، إلى جانب تحويل ثكنة عسكرية بمنطقة تنزروفت إلى سجن عالي التأمين مخصص لكبار بارونات المخدرات ومروجيها. ويعكس هذا التوجه تشديد الدولة قبضتها على الشبكات المنظمة، مع التركيز على العناصر القيادية التي تقف وراء عمليات التمويل والتهريب والتوزيع.
وفي الجانب الوقائي، دعمت الجزائر جهود المكافحة بتطوير الإطار التنظيمي وتوسيع أدوات الكشف المبكر، من خلال فرض تحاليل تثبت عدم تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية عند التوظيف في القطاعين العام والخاص، وفق التنظيم الصادر مطلع سنة 2026.
ويكتسي هذا الإجراء أهمية خاصة في الوظائف التي تتطلب درجة عالية من التركيز والمسؤولية، لاسيما القيادة والنقل وتشغيل الآلات، غير أن فعاليته، حسب مختصين، ترتبط بضرورة اعتماد آليات دقيقة ودورية تحترم السرية وتضمن صحة النتائج.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة عطية خولة، المتخصصة في علم المناعة والتحاليل الطبية والمتخرجة من معهد باستور الجزائر، لـ«الشعب»، أن إخضاع الموظفين الجدد لتحاليل الكشف عن المخدرات إجراء مهم، داعية إلى توسيع الرقابة لتشمل فحوصا دورية ومفاجئة، وفق ضوابط تحمي السرية وتضمن دقة النتائج.
وأوضحت أن الغاية ينبغي ألا تقتصر على الردع، وإنما تشمل أيضا الكشف المبكر عن حالات التعاطي وتوجيه المدمنين نحو العلاج والمرافقة، حتى لا يتحول الفحص إلى وسيلة للإقصاء فقط.
وفي قطاع النقل، شددت الدكتورة عطية على أهمية تكثيف الرقابة على السائقين، خصوصا سائقي مركبات الوزن الثقيل والنقل الجماعي، بالنظر إلى خطورة التعاطي في مهن ترتبط مباشرة بسلامة المواطنين.
كما أشارت إلى أن التحاليل الطبية أثبتت نجاعتها في كشف حالات تعاط لدى بعض الموظفين وسائقي الشاحنات، مؤكدة ضرورة اللجوء إلى تحاليل تأكيدية عند تسجيل نتيجة إيجابية أولية، مع التمييز بين المتعاطي الذي يحتاج إلى العلاج والمتاجر الذي ينشط ضمن شبكة إجرامية.
من جهته، أكد الدكتور بوحاتم مصطفى، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، لـ«الشعب»، أن الردع يظل آلية أساسية لمواجهة ظاهرة تهدد الأمن المجتمعي وتستهدف فئة الشباب.
وأوضح أن تشديد العقوبات وعزل كبار بارونات المخدرات في سجن عالي التأمين بتنزروفت يعكسان جدية الدولة في التعامل مع الشبكات الإجرامية، مشيرا إلى أن فعالية الردع ترتبط بالتطبيق الصارم للقانون وتجفيف مصادر التمويل وتفكيك الامتدادات التي تسمح للجريمة المنظمة بإعادة بناء نفسها.
معركة تبدأ من الحدود وتكتمل داخل المجتمع
تقوم المواجهة الشاملة على توزيع واضح للأدوار وتنسيق مستمر بين مختلف المتدخلين. فالأجهزة الأمنية والجيش الوطني الشعبي والجمارك تضطلع بمهام حماية الحدود وضرب شبكات الإمداد، بينما تتولى العدالة الملاحقة القضائية وتطبيق القانون واسترجاع العائدات الإجرامية، في وقت تتحمل فيه قطاعات الصحة والتربية والإعلام والمجتمع المدني مسؤولية الوقاية والتوعية والعلاج.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كون المخدرات لا تمس صحة الفرد وحده، وإنما تمتد آثارها إلى الأمن المروري، والعنف، والجريمة في الأحياء، والتسرب المدرسي والتفكك الأسري.
ومن ثم، فإن محاصرة هذه الظاهرة تبدأ من الحدود، وتمتد إلى تفكيك الشبكات ومصادر تمويلها، وتصل إلى الأسرة والمدرسة ومكان العمل ومراكز العلاج. فالمواجهة الفعالة تتطلب الجمع بين قوة الردع ونجاعة العمل الأمني والمالي والقضائي، إلى جانب الوقاية والتكفل بالمصابين بالإدمان، بما يحول دون استغلال الشباب وتحويل الجزائر إلى سوق للمخدرات وشبكات الجريمة المنظمة.



