نـواري لـــــــ”الشعــــب”: مســـارات واضحـــة وظـروف التمـدرس تتحسّـــــن
تتأهّب المدرسة الجزائرية لدخول مدرسي جديد برسم السنة الدراسية 2026-2027، في ظل حزمة من الإصلاحات البيداغوجية والإجراءات التنظيمية والميدانية الرامية إلى تحسين التحصيل الدراسي وتوفير ظروف تمدرس أكثر استقرارا، بالتوازي مع تدعيم التأطير البشري والخدمات المدرسية والاجتماعية.
يرتكز التحضير للموسم الدراسي الجديد على مسارين متكاملين؛ يتعلّق الأول بتطوير المناهج وإعادة تنظيم بعض المسارات التعليمية وتعزيز تدريس اللّغات، فيما يرتبط الثاني بتوفير الإمكانات البشرية والمادية الضرورية لضمان السير العادي للمؤسّسات التعليمية، وتحسين الخدمات المقدمة للتلاميذ والأولياء.
تعزيـز اللّغـــات وتطويـر الكفــــاءات
يحمل الدخول المدرسي الجديد تعديلات على مستوى تدريس اللغات والمسارات التعليمية، في مقدّمتها توسيع تدريس اللغة الإنجليزية، التي ينتقل تدريسها رسميا إلى السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، فيما تدرّس اللغة الفرنسية ابتداء من السنة الرابعة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن توجّه يرمي إلى بناء الكفاءة اللغوية للتلميذ بصورة تدريجية، من خلال تعريضه للغات الأجنبية في سنّ مبكّرة، وتمكينه من تطوير قدراته على مراحل متتالية من المسار التعليمي.
كما يتعزّز حضور اللغة الإنجليزية في التعليم المتوسط من خلال رفع الحجم الساعي والمعامل، بما ينسجم مع حضورها المتزايد في المجالات العلمية والتكنولوجية وفي التعليم العالي.
ولا تقتصر المقاربة الجديدة على إدراج اللغة الإنجليزية في مراحل مبكّرة، وإنما تستهدف بناء قاعدة لغوية تسمح للتلميذ بالانتقال تدريجيا من اكتساب المبادئ الأساسية إلى توظيف اللغة في مراحل تعليمية وتكوينية أكثر تقدّما.
مســـارات ثانويـــــة أكــثر وضوحـا
تمتدّ الإصلاحات إلى التعليم الثانوي، حيث تتواصل إعادة تنظيم المسارات والشعب في اتجاه منح التلاميذ رؤية أوضح بشأن تخصّصاتهم وآفاقهم الدراسية.
وفي هذا الإطار، أعيدت تسمية شعبة “تقني رياضي” إلى “هندسة”، مع إدراج الإعلام الآلي ضمن مساري الرياضيات والهندسة، إلى جانب توسيع الحجم الساعي للمواد الأساسية في السنة الثالثة ثانوي، بما يتيح مساحة أكبر للتطبيقات والتمارين وتعميق المعارف المرتبطة بالتخصّص.
ويتجه الإصلاح أيضا، إلى تعزيز الصلة بين التعليم الثانوي والدراسات الجامعية، لاسيما في المجالات العلمية والتكنولوجية، من خلال دعم حضور اللّغة الإنجليزية في الشعب العلمية والتقنية، بما يساعد التلاميذ على الاستعداد لتخصّصات جامعية تعتمد بصورة متزايدة على المراجع والمصطلحات العلمية باللغة الإنجليزية.
كما تمتد المراجعات إلى امتحان شهادة البكالوريا ابتداء من دورة 2027، من خلال تقليص عدد المواد وضبط مدة الامتحان في فترة لا تتجاوز ثلاثة أيام ونصف، إلى جانب مواصلة مراجعة بعض المضامين وطرق التدريس، بما يرفع جودة التعلّمات ويخفّف الضغط عن الممتحنين.
وبالتوازي مع ذلك، تتواصل عملية تحديث المناهج التعليمية بصورة تدريجية، بما يسمح بمواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية ومتطلّبات المدرسة الحديثة، فضلا عن مواصلة المسابقة الوطنية للابتكار المدرسي، التي تتيح للتلاميذ تحويل المعارف المكتسبة إلى أفكار ومشاريع وإبراز قدراتهم ومواهبهم.
الإصـــلاح يحتـــاج إلـى تأطـــــــير ووسائـــل
يرى الخبير في شؤون التربية كمال نواري، أنّ الإصلاحات الجديدة تتجاوز مراجعة المحتويات التعليمية لتشمل إعادة تنظيم المسارات وربطها بصورة أوضح بمتطلّبات التكوين الجامعي والتحوّلات التي يعرفها سوق العمل.
وأوضح نواري أنّ تعزيز اللغة الإنجليزية في مختلف مراحل التعليم يعكس تحوّلا في تصور الكفاءة اللغوية داخل المدرسة، مشيرا إلى أنّ إدراجها في سنّ مبكّرة ورفع حجمها الساعي يمكن أن يساهما في بناء كفاءة تدريجية، شريطة توفير التأطير والوسائل البيداغوجية اللازمة.
وأضاف أنّ إعادة تنظيم التعليم الثانوي وفق الشعب تمنح التلميذ مسارا أكثر وضوحا نحو التخصّص، فيما يعكس إدراج الإعلام الآلي ضمن مساري الرياضيات والهندسة توجّها نحو إدماج المهارات الرقمية وتنمية التفكير المنطقي والقدرة على معالجة المشكلات.
وشدّد على أنّ نجاح هذه الإصلاحات لا يرتبط بتعديل البرامج أو إعادة تسمية المسارات فحسب، وإنما بقدرة المؤسّسة التربوية على تجسيدها داخل القسم، من خلال تكوين الأساتذة، وتوفير الوسائل التعليمية، وتحقيق الانسجام بين البرامج والحجم الساعي وطرق التقييم.
أكـــــثر مــــن 45 ألـف أستـــــاذ جديـــد
على الصعيد المادي والبشري، أولت السلطات العمومية أهمية لتدعيم قطاع التربية بالموارد البشرية وتحسين ظروف التمدرس، حيث يلتحق بالقطاع أكثر من 45 ألف أستاذ جديد تم توظيفهم عبر أول مسابقة وطنية على أساس الشهادة.
ويأتي هذا التدعيم لمواكبة الاحتياجات المسجّلة في المؤسّسات التعليمية وتعزيز التأطير التربوي، بالتزامن مع الإصلاحات التي باشرتها وزارة التربية الوطنية على مستوى المناهج والمسارات.
وبالتوازي مع ذلك، تمّ الترخيص بـ21 ألفا و533 منصبا ماليا لتدعيم المؤسّسات التعليمية بالموارد البشرية الضرورية، خصوصا في المدارس الابتدائية، وتحسين الخدمات المرتبطة بتمدرس التلاميذ.
ومن شأن هذه الخطوة أن تساهم في معالجة جانب من الصعوبات المرتبطة بتوفير اليد العاملة والخدمات الأساسية داخل المؤسّسات، لاسيما تلك التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على إمكانات التسيير المحلي.
ويؤكّد كمال نواري أنّ تدعيم المدارس بهذه المناصب يمثل خطوة مهمّة لتحسين ظروف التمدرس، خاصة في المؤسّسات الابتدائية التي تحتاج إلى عمّال مهنيّين لضمان مختلف الخدمات، وفي مقدمتها المطاعم المدرسية التي تتطلّب طبّاخين ومساعدي طبّاخين وأعوانا.
وأشار إلى أنّ توفير هذه المناصب يسمح بتدعيم المؤسّسات باليد العاملة الضرورية، مع اعتماد شروط تتعلّق بالمؤهّل والتكوين واللياقة البدنية وحسن السيرة، بما يضمن اختيار عمّال قادرين على أداء المهام المسندة إليهم.
تسريـع تنصيـــــب العمّــال
نظرا لقرب الدخول المدرسي والاجتماعي، أقرّت المديرية العامة للوظيفة العمومية والإصلاح الإداري تدابير استثنائية لتبسيط وتسريع إجراءات التسجيل والاختيار، بما يسمح باستكمال العملية في الآجال المناسبة وتوفير الموارد البشرية اللازمة للمؤسّسات التعليمية.
وفي هذا الإطار، حدّد تاريخ 1 أكتوبر 2026 لتنصيب هؤلاء العمّال، بما يسمح بتدعيم المؤسّسات، خاصة المطاعم المدرسية، باليد العاملة الضرورية، بعد ضبط التعداد التلاميذي للمستفيدين من الإطعام في كل مدرسة ابتدائية.
وتتّصل هذه الإجراءات بالحرص على ضمان الجاهزية الفعلية لخدمات النقل والإطعام المدرسيّين منذ بداية الموسم، حيث شدّدت وزارة التربية الوطنية على ضرورة توفير هذه الخدمات وتفادي النقائص التي قد تؤثّر في السير الحسن للعملية التربوية.
خدمــــات مدرسيـــة ورقمنــــة متواصلة
لا تنفصل الخدمات المدرسية عن برامج التكفّل بالتلميذ، إذ تتواصل برامج الصّحة والرياضة المدرسية، وتنظيم أسبوع الصحة، إلى جانب المرافقة البيداغوجية للتلاميذ المرضى داخل المستشفيات ومراكز العلاج.
كما يتواصل العمل على تطوير حوكمة القطاع وتعزيز خدماته الرقمية بالتنسيق مع المحافظة السامية للرقمنة، من خلال استكمال قواعد البيانات وربطها وتبادل المعطيات، بما يسمح بتحسين التسيير وتطوير الخدمات ودعم اتخاذ القرار على أساس معلومات أكثر دقة.
وفي السياق ذاته، تمّت إعادة تفعيل وتوحيد النظام الداخلي للمؤسّسات التعليمية، باعتباره إطارا لتنظيم الحياة المدرسية وضبط العلاقة بين مختلف أطراف الجماعة التربوية وتوضيح الحقوق والواجبات، بما يعزّز الانضباط ويوفّر بيئة مدرسية أكثر استقرارا.
مرافقـة الأســر وتوفــــير المستلزمـــات
يحمل الدخول المدرسي أيضا بعدا اجتماعيا، من خلال الإجراءات الرامية إلى مرافقة الأولياء والتخفيف من الأعباء المرتبطة بالموسم الدراسي.
وفي هذا الإطار، شرعت أغلب الولايات، ابتداء من 5 سبتمبر 2026، بالتنسيق مع قطاع التجارة الداخلية وتنظيم السوق، في فتح فضاءات
وأسواق جوارية مخصّصة لبيع الأدوات والكتب المدرسية بأسعار تنافسية.
وتأتي هذه الخطوة تنفيذا لتعليمات وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، سعيد سعيود، بهدف توفير المستلزمات المدرسية في فضاءات منظمة تضمن وفرتها وتنوعها، وتتيح للأولياء اقتناء حاجيات أبنائهم في ظروف أفضل.
وتشمل المتابعة مدى توفّر الكتب والأدوات والمستلزمات المدرسية، إلى جانب الحرص على عرضها بأسعار مناسبة، بما يساهم في تخفيف الأعباء عن العائلات ومساعدتها على تلبية احتياجات أبنائها مع بداية الموسم الدراسي.
وهكذا، يجمع الدخول المدرسي 2026-2027 بين مسار إصلاحي يستهدف تطوير المناهج وتنظيم المسارات وتعزيز اللّغات،
ومسار ميداني يركّز على تدعيم التأطير وتحسين الخدمات ومرافقة الأسر. ويظل نجاح هذه الإجراءات مرتبطا بقدرة المؤسّسات التعليمية على تحويل الإصلاحات المقرّرة إلى ممارسات فعلية داخل الأقسام، وتوفير الظروف التي تجعل من المدرسة فضاء مستقرّا ومحفّزا على التعلّم والنجاح.


