الحـدّ مــن الطلبات التــي لا تتناسـب مــع القــدرات الإنتاجيــة
كشفت معالجة البرامج التقديرية للاستيراد الخاصة بالسداسي الثاني من سنة 2026، عن الدور المتزايد للرّقمنة في تنظيم التجارة الخارجية، بعد أن أتاحت المنصّة المخصّصة لاستيراد المواد الأولية ومدخلات الإنتاج معالجة عدد كبير من الملفات، ومقارنة البيانات المصرّح بها، ورصد مؤشّرات تستدعي مزيدا من التدقيق قبل التأشير على الطلبات.
أظهرت المعطيات تقدّم 3961 متعاملا اقتصاديا، يوظفون ما بين صفر وخمسة عمّال، بطلبات استيراد بلغت قيمتها الإجمالية 130.32 مليار دولار، وهي تقديرات تطرح تساؤلات حول مدى تناسب بعض الطلبات مع حجم المؤسّسات وقدراتها الإنتاجية الفعلية.
ويبرز ضمن هذه الأرقام تقدّم 851 مؤسّسة توظّف عاملين فقط بطلبات بلغت 88.76 مليار دولار. غير أن هذه المؤشّرات، مهما كانت لافتة، لا تكفي وحدها لإثبات وجود مخالفات، وإنما تشكل أساسا لعمليات التدقيق التي أعلنت عنها وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، بهدف التحقّق من مدى انسجام الطلبات مع النشاط الحقيقي للمؤسّسات المعنية.
الذكاء الاصطناعي في خدمة القرار الاقتصادي
تكمن أهمية هذا التطور في قدرة المنصّة الرقمية، المدعومة بأدوات الذكاء الاصطناعي، على الانتقال من دراسة كل ملف بصورة منفصلة إلى تحليل مجموع البيانات، بما يسمح باكتشاف العلاقات والتناقضات والأنماط غير الاعتيادية التي يصعب رصدها بالوسائل التقليدية، خاصة عند التعامل مع آلاف الطلبات والوثائق خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي هذا السياق، رصدت المنصّة أنماطا غير اعتيادية في التصريح بالعمال، إذ سجّلت بعض المؤسّسات عمّالا لدى مصالح الضمان الاجتماعي، بين جانفي ونهاية مارس 2026، قبل أن تتوقف التصريحات خلال أفريل وماي وجوان، ثم تستأنف بين جويلية وسبتمبر، بالتزامن مع إيداع ودراسة البرامج التقديرية للاستيراد.
ولا يمثل هذا التطابق الزمني حكما مسبقا على المؤسّسات المعنية، وإنما يشكّل مؤشّرا يستدعي التحقّق من حقيقة النشاط واستمرارية مناصب العمل المصرّح بها، إلى جانب مؤشّرات أخرى مرتبطة بالنشاط الاقتصادي.
وتتيح الأدوات الرقمية أيضا، مقارنة توقيت إيداع الوثائق ومحتواها، ورصد أوجه التشابه غير العادية أو تكرار الوثائق ضمن ملفات تعود إلى متعاملين مختلفين، فضلا عن مطابقة بيانات العمّال مع المعلومات الجبائية والجمركية وحجم النشاط الفعلي.
وفي هذه المنظومة، تتمثل وظيفة الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من البيانات وترتيب مؤشّرات المخاطر وتوجيه جهود الرقابة، بينما تبقى المعاينة والتحقيق واتخاذ القرارات من اختصاص الجهات المخوّلة قانونا.
حماية العملة الصعبة تبدأ من دقّة المعطيات
ترتبط رقمنة الاستيراد بصورة مباشرة بحماية العملة الصعبة، إذ يسمح ضبط الاحتياجات الفعلية للمؤسّسات بتوجيه الموارد المالية نحو المواد الأولية والتجهيزات الضرورية للإنتاج، والحدّ من الطلبات التي لا تتناسب مع طبيعة النشاط أو القدرات الإنتاجية.
كما يُتيح توفّر البيانات الدقيقة للدولة رؤية أفضل لحجم الطلب على مدخلات الإنتاج، ويساعد على تحسين التخطيط واتخاذ القرار، وتفادي توجيه النقد الأجنبي إلى عمليات لا تتناسب مع النشاط الاقتصادي الحقيقي.
ولا تقتصر أهمية الرقمنة على الجانب الرقابي، إذ يمكن أن تنعكس أيضا على المتعامل الاقتصادي الجادّ من خلال تسريع دراسة الملفات وتقليص آجال المعالجة، وتوفير رؤية أوضح حول مسار الطلب وأسباب التحّفظ عليه عند الاقتضاء.
فالرقابة الفعّالة لا تتعارض مع مرافقة المنتجين، وإنما تُسهم في حماية المؤسّسات الصناعية الجادة من المنافسة غير المتكافئة التي قد تنشأ عندما تستفيد مؤسّسات من امتيازات الاستيراد أو من الوصول إلى العملة الصعبة، دون أن يكون حجم نشاطها متناسبا مع الطلبات المقدمة.
عــــــــدد العمّــــــــال ليـــــس المعيــــــــار الوحيـــد
رغم أهمية مؤشّر العمّال في قراءة النشاط الاقتصادي للمؤسّسة، فإنه لا يمكن اعتماده معيارا وحيدا للحكم على مدى تناسب طلبات الاستيراد، إذ يمكن لبعض المؤسّسات أن تعتمد على تجهيزات مؤتمتة أو تستعين بخدمات ومناولة خارجية.
ولهذا، فإنّ التقييم الدقيق يقتضي مطابقة هذا المؤشّر مع مجموعة أخرى من المعطيات، في مقدّمتها رقم الأعمال، والطاقة الإنتاجية، والاستهلاك الفعلي للمواد الأولية، والتصريحات الجبائية، وسجل الاستيراد والإنتاج خلال السنوات السابقة.
وتسمح هذه المقاربة متعدّدة المؤشّرات بتكوين صورة أكثر دقّة عن الوضع الحقيقي للمؤسّسة، وتجنّب اتخاذ إجراءات بناء على مؤشّر منفرد قد لا يعكس طبيعة النشاط بصورة كاملة.
كما أنّ ما ورد في بيان وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، يمثل معطيات ومؤشّرات تستوجب التحقيق والتدقيق، وليس قرارا بإدانة أي متعامل اقتصادي، وتبقى مسؤولية الفصل في المخالفات واتخاذ الإجراءات المناسبة من اختصاص الجهات المخوّلة قانونا، بعد استكمال عمليات التحقّق وتمكين المؤسّسات المعنية من تقديم التوضيحات اللازمة.
مســار لحوكمــة التجـارة الخارجيــة
تندرج هذه الخطوة ضمن مسار أوسع للرّقمنة الشاملة الذي شرعت الجزائر في تجسيده خلال السنوات الماضية، بهدف تحديث الإدارة وتحسين معالجة البيانات وتعزيز الشفافية والفعالية في القطاعات الاقتصادية.
ويكتسي هذا المسار أهمية خاصة في مجال التجارة الخارجية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحركة السلع والأموال وباحتياجات السوق والقدرات الإنتاجية للمؤسّسات، فضلا عن علاقته بحماية موارد البلاد من العملة الصعبة.
ومع توسّع الربط بين قواعد البيانات، يمكن للرّقمنة أن تتيح بناء صورة أكثر تكاملا عن المؤسّسة، من خلال الجمع بين المعطيات التجارية والجمركية والجبائية والإنتاجية، وهو ما يعزّز قدرة أجهزة الرقابة على تحديد الملفات التي تحتاج إلى دراسة معمّقة، في الوقت الذي يساهم فيه تسريع المعالجة الآلية في تخفيف العبء عن المؤسّسات والإدارة معا.




