قوافل المساعدات من مختلف الولايات..تعزيز الشعور بالانتماء إلى وطن واحد
الهبّة التضامنية الواسعة تعكس خصلة متأصلة في الشخصية الجزائرية
وضعت افتتاحية مجلة «الجيش» لشهر سبتمبر 2026 الهبة التضامنية التي رافقت حرائق الغابات الأخيرة في صلب قراءتها، مبرزة ما أفرزته المحنة من صور قوية للتكافل والتآزر بين الجزائريين، لاسيما بعد أن مست النيران عددا من ولايات شرق ووسط البلاد.
رغم حجم الفاجعة وما خلفته من حزن وخسائر، أظهرت الأزمة مشهدا وطنيا عكس قوة التلاحم الشعبي، بعدما هب المواطنون من مختلف ربوع الوطن لمساندة المتضررين، بالتوازي مع جهود مختلف أسلاك الدولة والجيش الوطني الشعبي والحماية المدنية في مواجهة الحرائق وحماية السكان، وشددت «الجيش» على أن الشعب الجزائري شعب أبي لا تكسره المحن ولا تهزه نيران الفتن.
وتحمل هذه الهبة، وفق ما أبرزته الافتتاحية، دلالات تتجاوز ظرف الحرائق وآثارها المباشرة، باعتبارها كشفت عن قيمة راسخة في المجتمع الجزائري قوامها الوقوف إلى جانب أبناء الوطن في أوقات الشدة. فقد انطلقت قوافل المساعدات من مختلف الولايات نحو المناطق المتضررة، مقدمة صورة عن مجتمع تتحول فيه المحن إلى مناسبات لتجديد التضامن وتعزيز الشعور بالانتماء إلى وطن واحد.
التضامن.. قيمة تتجدّد في المحن
وأكدت الافتتاحية أن الهبة التضامنية الواسعة لا تختزل في استجابة ظرفية فرضتها الكارثة، وإنما تعكس خصلة متأصلة في الشخصية الجزائرية، تظهر في مختلف المحطات الصعبة. وقد أظهرت المحنة الأخيرة أن الجزائريين يزدادون تماسكا عندما تواجه البلاد ظرفا استثنائيا، وأن الروابط الوطنية والاجتماعية قادرة على توحيد المجتمع حول قيم التآزر والمسؤولية المشتركة.
واستحضرت «الجيش»، في هذا السياق، تصريح رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، السيد عبد المجيد تبون، عقب تفقده المصابين الذين تم إجلاؤهم من الولايات المتضررة، حيث اعتبر أن عزاء الجزائر كان في الهبة التضامنية للشعب الجزائري، التي جعلت الجزائريين يشعرون بالفخر بالانتماء إلى الجزائر.
وتبرز هذه الإشارة المكانة التي تحظى بها قيم التضامن في المجتمع، باعتبارها عاملا يعزز الثقة ويمنح المواطنين قدرة أكبر على مواجهة آثار الأزمات بصورة جماعية.
من الثورة إلى تحديات الحاضر
وربطت الافتتاحية مشاهد التضامن التي رافقت الحرائق برصيد تاريخي أعمق، مستحضرة الثورة التحريرية المجيدة باعتبارها النموذج الأبرز عن قدرة الجزائريين على توحيد إرادتهم في مواجهة أصعب الظروف، فالثورة التحريرية لم تكن مواجهة عسكرية فقط، وإنما ملحمة شعبية احتشد خلالها الجزائريون حول قضية التحرر، وتكاملت جهود الشعب مع جهود المجاهدين، لتصبح الوحدة الوطنية أحد مصادر القوة في مواجهة الاستعمار واستعادة السيادة.
ومن هذا الرصيد التاريخي، اكتسب التلاحم الوطني مكانته كقيمة متوارثة تتجدد في مختلف المحطات التي تواجه فيها الجزائر أزمات أو تحديات. وتزداد أهمية هذه القيمة في ظل بيئة إقليمية ودولية سريعة التحول ومتعددة مصادر التهديد، حيث يمثل تماسك المجتمع عنصرا أساسيا في حماية المصالح الوطنية وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية.
رصيـــــد استراتيجـي..
ووضعت الافتتاحية تماسك المجتمع في صميم معادلة الاستقرار الوطني، انطلاقا من أن قوة الدول لا ترتبط بقدراتها المادية ومؤسساتها فقط، وإنما تشمل أيضا انسجام مؤسساتها وقوة روابط مجتمعها ومستوى الثقة المتبادلة بين المواطن والدولة.
فكلما توحد المجتمع حول مصالحه الوطنية، وتعززت الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ازدادت قدرة البلاد على التعامل مع الأزمات والتحديات. ويكتسب هذا التماسك أهمية أكبر في ظل تعدد أشكال التهديد، التي قد تكون أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية أو مرتبطة بالكوارث الطبيعية.
ومن هذا المنظور، يصبح التضامن الشعبي جزءا من مفهوم أوسع للأمن الوطني، يقوم على تكامل جهود الدولة والمجتمع وقدرة الجبهة الداخلية على الصمود، مع مؤسسات فاعلة ومجتمع واع بمصالحه الوطنية وقادر على تجاوز الأزمات بروح جماعية.
رابطة تتأكّد في الميدان
وأبرزت الافتتاحية العلاقة التي تجمع الشعب الجزائري بالجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني، مستحضرة حضوره إلى جانب المواطنين خلال الحرائق الأخيرة ومساهمته في مواجهة النيران وحماية السكان، بالتنسيق مع مختلف أجهزة الدولة.
واستندت في هذا الجانب إلى تصريح الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الذي جدد التأكيد على أن الجيش الوطني الشعبي يظل حاضرا في مختلف المحطات الحاسمة التي تعيشها الجزائر، ويساهم بفعالية في تجاوز المحن والملمات.
ويعكس حضور أفراد الجيش في الميدان إلى جانب المواطنين إحدى صور التكامل في مواجهة الظروف الاستثنائية، ويؤكد أن المؤسسة العسكرية، باعتبارها مؤسسة وطنية، تسخر إمكاناتها في خدمة الوطن والمواطن ضمن المهام الموكلة إليها.
وحدة الصفّ.. صمام أمان الجزائر
خلصت افتتاحية مجلة الجيش إلى أن المحنة، رغم ما خلفته من ألم وخسائر، كشفت عن رصيد وطني يتمثل في وحدة الشعب وتضامنه وتماسكه. فجهود إخماد الحرائق وحماية السكان شاركت فيها مختلف أجهزة الدولة والمواطنون، فيما شكلت مشاهد التضامن عبر مناطق الوطن صورة موازية لقوة المجتمع وقدرته على التكاتف.
وتحمل افتتاحية مجلة الجيش لشهر سبتمبر 2026 رسالة واضحة مفادها أن التلاحم الوطني يمثل رصيدا استراتيجيا للجزائر، تستمد منه قدرتها على تجاوز المحن ومواجهة التحديات. فمثلما شكلت وحدة الجزائريين أحد مصادر قوة الثورة التحريرية، تظل اليوم وحدة الصف والتضامن والتكافل من مقومات صون الاستقرار وحماية الجبهة الداخلية.
ومع انحسار آثار الحرائق وعودة الحياة تدريجيا إلى المناطق المتضررة، يبقى المشهد التضامني الذي رسمه الجزائريون شاهدا على قوة الروابط الوطنية، وعلى مجتمع أثبت أن الشدائد يمكن أن تتحول إلى لحظات تعزز التماسك وتؤكد أن قوة الجزائر تبدأ من وحدة شعبها وتكامل مؤسساتها.




