استدعـــاء الرئيـــس للوزيـــر الأول ومسؤولـــين للاجتمـاع يحمـــل دلالات عميقــة
الحفــاظ علــى مصالــح المتعاملـــين الجاديـــن وتشجيـــع النّشــــاط الحقيقــــي
أكّد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمان هادف، أنّ تنظيم التجارة الخارجية أصبح جزءا أساسيا من حماية الاقتصاد الوطني وترشيد استخدام الموارد العمومية، معتبرا أنّ المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال نحو منظومة أكثر ذكاء وشفافية، تقوم على البيانات الموثوقة والرقابة الاستباقية، وربط الاستيراد بحاجيات الاقتصاد وقدرات المتعاملين.
أوضح هادف في تصريح خصّ به “الشعب”، أن الاجتماع الذي ترأّسه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، للوقوف عن كثب على المعطيات التي وردت من وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه أصحاب التصريحات الكاذبة، يحمل دلالات تتجاوز معالجة المخالفات، ليؤكّد أهمية تنظيم نشاط الاستيراد ضمن رؤية شاملة لحماية الاقتصاد الوطني.
وقال إنّ أهمية الاجتماع تكمن أيضا في الرسالة الاقتصادية التي يحملها، والمتمثلة في الحاجة إلى تطهير نشاط الاستيراد، وإرساء منظومة رقابة أكثر فعالية، قادرة على التمييز بين النشاط الاقتصادي الحقيقي والممارسات التي تستغل منظومة التجارة الخارجية على حساب الاقتصاد الوطني.
أرقــــام تستدعـي التّدقيـق
وتوقّف الخبير الدولي عند المعطيات المتعلقة بطلبات الاستيراد المصرح بها في إطار البرنامج التقديري للاستيراد للسداسي الثاني من سنة 2026، والتي بلغت أكثر من 130 مليار دولار لفائدة 3961 متعاملا يوظفون بين صفر وخمسة عمال.
وأشار إلى أنّ هذه الأرقام تمثّل طلبات استيراد مصرحا بها، ولا تعني بالضرورة واردات فعلية، وهو تمييز مهم عند تحليل المعطيات، غير أنها في الوقت نفسه تطرح تساؤلات حول مدى تناسب حجم الطلبات مع القدرات الحقيقية لبعض المتعاملين وطبيعة نشاطهم.
ويرى هادف أنّ التعامل مع هذه المعطيات ينبغي أن يندرج ضمن مقاربة اقتصادية شاملة، تسمح بتحديد الاختلالات بدقة، وتوجيه الرقابة نحو الحالات التي تستدعي التدقيق، مع الحفاظ على مصالح المتعاملين الجادين وتشجيع النشاط الاقتصادي الحقيقي.
ومن هذا المنظور، يمكن أن تتحول عملية مراجعة نشاط الاستيراد إلى فرصة لبناء منظومة اقتصادية أكثر شفافية وانضباطا، تحمي المال العام وتوجه الموارد نحو الإنتاج والاستثمار وخلق القيمة، مع توفير بيئة أكثر وضوحا للمتعاملين الذين ينشطون وفق القواعد القانونية.
نحـو استـــيراد أكـــثر عقلانيــة
وشدّد المستشار الدولي على أن تنظيم الاستيراد لا ينبغي أن يفهم باعتباره سياسة للحد من الواردات في حد ذاتها، لأن الاقتصاد الوطني يحتاج إلى استيراد التجهيزات والتكنولوجيات والمواد الأولية والمدخلات الضرورية لدعم الاستثمار والإنتاج.
وقال إن الإشكالية الحقيقية ترتبط بنوعية الاستيراد وضرورته ووجهته وتأثيره على الاقتصاد الوطني، مؤكدا أن المعادلة المنشودة تتمثل في استيراد أكثر عقلانية، واقتصاد أكثر إنتاجا، ورقابة أكثر ذكاء، واقتصاد رسمي أقوى وأكثر شفافية.
وبناء على ذلك، يمكن تطوير برنامج الاستيراد التقديري ليصبح أداة استراتيجية تساعد على تحديد حاجيات الاقتصاد وضبط تدفقات الاستيراد، من خلال ربط الطلبات بعدد من المؤشرات، من بينها القدرات الإنتاجية للمتعامل، وطبيعة نشاطه، وحاجيات السوق، وتاريخه التجاري، وتدفقاته المالية، ومدى انسجام طلباته مع حجم نشاطه وإمكاناته.
ومن شأن هذا الربط أن يوفّر رؤية أكثر دقة لحركة الاستيراد، ويسمح بتمييز الاحتياجات الاقتصادية الحقيقية عن الطلبات التي تستوجب مزيدا من التدقيق، مع تعزيز سرعة معالجة الملفات التي تستوفي الشروط.
مـــن الرّقابـة التّقليديـــة إلى الرّقابــة الذّكية
ويرى هادف أنّ تحقيق هذه الأهداف يستدعي الانتقال من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية والاستباقية، خاصة في ظل التطور الكبير الذي تعرفه أدوات تحليل البيانات.
وأوضح أنّ الاقتصاد الحديث يوفر إمكانيات واسعة لمعالجة كميات ضخمة من المعلومات وربطها ببعضها البعض، ما يتيح توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وتقنيات تحليل المخاطر في مراقبة نشاط الاستيراد.
وفي هذا الإطار، يقترح الخبير بناء منظومة وطنية لليقظة الاقتصادية تكون قادرة على تحليل العلاقة بين المتعامل ونشاطه وقدراته الإنتاجية وتاريخه التجاري وطلبات الاستيراد وحاجيات السوق والتدفقات المالية، وصولا إلى إنتاج مؤشرات للمخاطر تساعد على توجيه الرقابة نحو الحالات التي تحتاج إلى تدقيق معمق.
وتسمح هذه المقاربة، حسبه، بتحسين فعالية الرقابة وتقليص الاعتماد على المعالجة اليدوية للملفات، فضلا عن سرعة اكتشاف الأنماط غير العادية في المعاملات التجارية، بما يعزّز قدرة السلطات على التدخل في الوقت المناسب.
كما أنّ توظيف البيانات لا ينبغي أن يقتصر على اكتشاف المخالفات، وإنما يمكن أن يستخدم لتحسين عملية اتخاذ القرار الاقتصادي، وتوفير رؤية دقيقة حول احتياجات السوق وحجم الطلب على مختلف المنتجات والمدخلات، بما يساعد على تحقيق توازن أفضل بين الاستيراد والإنتاج المحلي.
حمايــــة المتعاملــــين وتشجيـــع الاستثمــــــار
ويؤكّد هادف أن منظومة اليقظة الاقتصادية المقترحة يمكن أن تؤدي دورا يتجاوز الرقابة، لتصبح أيضا وسيلة لحماية المتعاملين الاقتصاديين الحقيقيين، من خلال إرساء بيئة أكثر عدلا وشفافية.
فكلما أصبحت معايير الرقابة أكثر وضوحا واعتمادا على البيانات، أمكن توجيه التدقيق نحو العمليات التي تحمل مؤشرات خطر حقيقية، بدل إخضاع مختلف المتعاملين للمستوى نفسه من الرقابة، وهو ما يساهم في تسهيل نشاط المؤسسات الملتزمة وتشجيعها على تطوير استثماراتها.كما يمكن أن تساعد هذه المقاربة في توجيه الموارد نحو المؤسسات المنتجة والاستثمارات ذات القيمة المضافة، وتعزيز القطاعات التي تمتلك فيها الجزائر إمكانات حقيقية، بما يدعم خلق الثروة ومناصب الشغل ويقلل تدريجيا من التبعية لبعض الواردات التي يمكن إنتاجها محليا.
استــــيراد أفضـل لا استـــــيراد أقـــل
ويؤكّد المستشار الدولي أن تطهير نشاط الاستيراد ينبغي أن ينظر إليه باعتباره جزءا من مسار أوسع لإعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والاستيراد والاستثمار.
فالهدف، حسبه، ليس الوصول إلى “استيراد أقل” بالضرورة، وإنما إلى استيراد أفضل وأكثر ارتباطا باحتياجات الاقتصاد الوطني، بالتوازي مع تطوير القدرات المحلية على الإنتاج وتعويض ما يمكن إنتاجه محليا، وتشجيع الاستثمار في المجالات التي تتوفر فيها الجزائر على إمكانات ومزايا حقيقية.
ويختصر هادف هذه الرؤية في ضرورة بناء اقتصاد رسمي قوي ومستدام يعتمد على البيانات الموثوقة، والأنظمة الرقمية المترابطة، والرقابة الذكية، واليقظة الاقتصادية والاستباق في مواجهة المخاطر.
ومن شأن هذا المسار أن يجعل تنظيم التجارة الخارجية جزءا من سياسة اقتصادية متكاملة، تتعامل مع الاستيراد باعتباره أداة لخدمة الإنتاج والاستثمار، وتوجه الموارد نحو النشاطات ذات القيمة المضافة، مع حماية الخزينة العمومية وتعزيز شفافية المعاملات.
وبذلك، تتحوّل الرقابة على التجارة الخارجية من آلية لرصد المخالفات بعد وقوعها إلى منظومة استباقية تساعد على قراءة المخاطر وتوجيه الموارد وحماية المتعاملين الجادين، بما يدعم بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على خلق القيمة.




