صرامــة الدولـــة تقطـع الطّريـــــق أمــام محـاولات التّلاعــــب
قوانـين تجـــرّم مختلـــــف أشكــال التلاعــــب والاختــلاس والفســـــاد
أكّد البروفسور موسى بودهان، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الجزائر، أنّ المقاربة التي اعتمدها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في التعامل مع الملفات التي قد تمس بالخزينة العمومية، تعكس إرادة صارمة في حماية المال العام وصون الاقتصاد الوطني، من خلال التحرك الاستباقي والتحقق من المعطيات، واتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت الملائم.
أوضح الخبير أنّ استدعاء المسؤولين المعنيين للتحقق من المعطيات المرتبطة بالخزينة العمومية يجسّد حرص الدولة على التصدي المبكر للممارسات التي يمكن أن تلحق ضررا بالاقتصاد الوطني، مشيرا إلى أن حماية المال العام مسؤولية مؤسساتية تحكمها قواعد دستورية، وقوانين تجرّم مختلف أشكال التلاعب والاختلاس والفساد.
ويرى بودهان في تحليلات عبر “الشعب”أنّ الاجتماع الذي ترأّسه رئيس الجمهورية، بحضور الوزير الأول والوزراء المكلفين بالتجارة الداخلية والخارجية، ومدير الجمارك، ونائب محافظ بنك الجزائر، يعكس تنسيقا بين مختلف المؤسسات المعنية بحماية الاقتصاد الوطني ومراقبة حركة التجارة الخارجية والتدفقات المالية.
وقال إنّ صرامة الدولة في هذا المجال تستهدف إحباط محاولات استغلال الثغرات القانونية أو الإدارية لتحقيق مصالح ضيقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتصريحات غير دقيقة أو ممارسات تجارية من شأنها التأثير على الخزينة أو استنزاف الموارد المالية للبلاد.
الوقايـــة مـــن الفســاد ومكافحتــــه
وفي معرض تحليله للإطار الدستوري، أشار الأستاذ بودهان إلى أن الدستور الجزائري وضع جملة من المبادئ التي تكرس حماية الاقتصاد الوطني ومقدرات الدولة، وتشجع على بناء اقتصاد متنوع يستغل القدرات الطبيعية والبشرية للجزائر.
كما تتضمّن المنظومة القانونية أحكاما تتصدى لمختلف أشكال التلاعب والاختلاس والرشوة والتجارة غير المشروعة، والاستحواذ غير المشروع وتهريب رؤوس الأموال، بما يجعل حماية المال العام جزءا أساسيا من منظومة حماية الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، استحضر الخبير عددا من النصوص القانونية التي تؤطّر النشاط التجاري والمالي، من بينها القانون رقم 23-09 المتضمن القانون النقدي والمصرفي، والنصوص المتعلقة بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية والمنافسة والتجارة الإلكترونية، إضافة إلى قانون الجمارك المعدل والمتمم.
وأوضح أنّ التشريع الجمركي يتضمّن أحكاما تتعلق بالتصريحات المقدمة بشأن السلع المستوردة، ولاسيما ما يرتبط بقيمتها وكميتها وأصلها ومنشئها، بما يسمح للجهات المختصة بمواجهة التصريحات غير الصحيحة، والممارسات الرامية إلى التحايل على القواعد المعمول بها.
كما أشار إلى المنظومة القانونية الخاصة بالوقاية من الفساد ومكافحته وتبييض الأموال، ومن بينها القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، والقانون رقم 05-01 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل أسلحة الدمار الشامل، إلى جانب الأحكام ذات الصلة الواردة في قانون العقوبات.
وتوفّر هذه النصوص، حسب المتحدث، إطارا قانونيا متكاملا يسمح بمساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن أفعال أضرّت بالمال العام أو خالفت القواعد المنظمة للنشاط التجاري والمالي، وفق ما تحدده نتائج التحقيقات والجهات القضائية المختصة.
حمايــــة الاقتصـاد والقــدرة الشّرائيــة
وأكّد بودهان أن انعكاسات الممارسات التي تؤدي إلى استنزاف الموارد المالية لا تتوقف عند الجانب المحاسبي أو الجمركي، وإنما يمكن أن تمتد إلى الاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطن، خاصة عندما ترتبط بارتفاع تكاليف بعض السلع أو بتحويل أموال إلى الخارج بطرق مخالفة للتشريع.
وتكتسي التجارة الخارجية، في هذا الإطار، أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بحركة العملة الصعبة وبالعلاقات الاقتصادية للجزائر مع شركائها الدوليين. ويجعل احترام القواعد المنظمة للاستيراد والتصدير والتصريح بالقيمة الحقيقية للسلع من أهم آليات حماية التوازنات المالية والاقتصادية.
وأشار الخبير إلى أنّ الثقة تمثل عنصرا أساسيا في المعاملات التجارية الدولية، وأنّ احترام القوانين والالتزامات التعاقدية يعزز مصداقية المتعاملين ويحافظ على صورة الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، فإن مكافحة الغش والتزوير والتحايل في المعاملات التجارية تندرج ضمن حماية البيئة الاقتصادية وضمان شفافية المبادلات.
ويرى أن تشديد الرقابة والتدقيق في العمليات التي تثير الشبهات يبعث برسالة واضحة مفادها أن حماية المال العام مسؤولية تتقاسمها مختلف مؤسسات الدولة، وأن أي تجاوز يثبت وقوعه يخضع للمساءلة وفقا للقانون.
التّحقيـق والقضــاء الفيصـــل
وفي ختام قراءته، شدّد الأستاذ موسى بودهان على أن التكييف القانوني النهائي للوقائع محل البحث يبقى من اختصاص الجهات القضائية، بعد استكمال التحريات وجمع الأدلة وتحديد المسؤوليات، وفقا لأحكام قانون الإجراءات الجزائية.
وأوضح أن التحقيقات التي تجريها الضبطية القضائية، من ضباط وأعوان، تكتسي أهمية في تحديد طبيعة الأفعال والجهات المتورطة وحجم الضرر المحتمل، قبل إحالة الملفات على القضاء لاتخاذ القرارات التي يراها مناسبة وفقا للقانون.
وأكّد أنّ المسؤولية القانونية، متى ثبتت، يمكن أن تشمل مختلف الأطراف التي ساهمت في ارتكاب المخالفات أو سهلتها، سواء تعلق الأمر بمتعاملين اقتصاديين أو أشخاص من داخل مصالح إدارية أو مالية، وذلك بحسب طبيعة الأفعال المثبتة ودرجة مشاركة كل طرف فيها.
وتبرز أهمية هذه المقاربة في كون حماية الخزينة العمومية تتطلب تضافر الرقابة الإدارية والجمركية والمالية والقضائية، مع تعزيز آليات الوقاية والكشف المبكر عن المخالفات.
وتعكس الإجراءات المتّخذة في هذا المجال توجّها نحو ترسيخ ثقافة قانونية واقتصادية قوامها حماية المال العام، وتشديد الرقابة على المبادلات التجارية، ومساءلة كل من تثبت مخالفته للتشريع. كما تسهم صرامة تطبيق القانون في تعزيز الثقة في المؤسسات وحماية الموارد الوطنية، بما يخدم استقرار الاقتصاد ويحافظ على مصالح الدولة والمواطن.





