جزائرنا قوية بتلاحم شعبها وتماسكها الاجتماعي والوحدة أساس الاستقرار
»السليل».. أبناء الشعب تجمعهم وحدة الانتماء والمصير والواجب الوطني
المؤسسة العسكرية نشأت من رحم الثورة وظلت مرتبطة بذاكرة الشعب وتاريخه
في الظروف الصعبة تتراجع الحسابات الفردية أمام الشعور بالمصير المشترك
خصّصت مجلة «الجيش» افتتاحية عددها الأخير للهبة التضامنية التي أظهرها الشعب الجزائري إثر الحرائق التي شهدتها ولاية جيجل ومناطق مجاورة، مثمنة الروح الوطنية التي طبعت مختلف المبادرات الرامية إلى مساعدة المتضررين ومساندتهم في تجاوز آثار المحنة.
أبرزت الافتتاحية أن التضامن بين الجزائريين قيمة متجذرة في المجتمع، تتجلى بصورة خاصة خلال المحن والظروف الاستثنائية، معتبرة أن التلاحم الوطني يمثل أحد عناصر قوة الجزائر، بما يستند إليه من رصيد تاريخي يعود إلى الثورة التحريرية، حيث شكل التفاف الشعب حول ثورته أحد عوامل الانتصار على الاستعمار واستعادة السيادة الوطنية.
كما توقفت الافتتاحية عند رابطة «جيش–شعب»، التي عكستها المشاركة الفعلية لأفراد الجيش الوطني الشعبي في جهود الإغاثة والتضامن، انطلاقا من حقيقة أن الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، وأن أبناء المؤسسة العسكرية هم في الأصل أبناء الشعب الجزائري، تجمعهم وحدة الانتماء والمصير والواجب الوطني.
هبّة شعبية.. الجزائر جسد واحد
وأكدت المحنة التي شهدتها جيجل مجددا عمق الروابط الاجتماعية التي تجمع الجزائريين، من خلال مشاهد التعاطف والتكافل والوقوف إلى جانب المتضررين والمصابين. فقد شكلت المبادرات التضامنية صورة واضحة عن وحدة النسيج الاجتماعي، وأظهرت أن اختلاف المواقع والظروف لا يحول دون اجتماع الجزائريين حول قيم التآزر والمسؤولية المشتركة.
وتنسجم هذه المظاهر وفق «الجيش» مع ما عبر عنه رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، السيد عبد المجيد تبون، خلال تفقده حالة المصابين بمستشفى الحروق الكبرى «الدكتور سعيد شيبان» بزرالدة، حيث أبرز عمق الروابط التي تجمع أبناء الشعب الجزائري، وما تفرضه المحن من تلاحم وتآزر.
ويستند هذا السلوك إلى تجربة تاريخية راسخة، فقد شكل التلاحم الشعبي أحد أبرز عناصر قوة الثورة التحريرية، حين احتضن الجزائريون ثورتهم وقدموا التضحيات من أجل تحرير الوطن. ومن هذا السياق التاريخي نشأت علاقة وثيقة بين الشعب وجيش التحرير، واستمرت بعد الاستقلال في إطار المؤسسة العسكرية التي حملت مشعل الدفاع عن الوطن وصون سيادته.
ولذلك، فإن التضامن الذي يظهر في مواجهة الكوارث والمحن لا يمثل مجرد استجابة ظرفية للحدث، وإنما يعكس قيمة اجتماعية متأصلة في الوجدان الجزائري، تتجدد كلما واجه فرد أو جماعة أو منطقة ظرفا استثنائيا يحتاج إلى تكاتف الجميع.
«جيش–شعب».. عروة وثقى
وأثنت الافتتاحية على قوة رابطة «جيش–شعب»، باعتبارها امتدادا لتاريخ مشترك وتضحيات متراكمة. فقد نشأت المؤسسة العسكرية الجزائرية من رحم الثورة التحريرية، وظلت مرتبطة بذاكرة الشعب وتاريخه، فيما ينحدر أفراد الجيش الوطني الشعبي من مختلف مناطق الوطن وفئاته، ويؤدون واجبهم في الدفاع عن الجزائر وحماية سيادتها ووحدتها.
وتتجسد هذه الرابطة في الميدان، خاصة خلال الظروف الاستثنائية، حيث يشارك أفراد الجيش إلى جانب المواطنين في عمليات الإغاثة والمساعدة، ويتقاسم الجميع مسؤولية مواجهة آثار المحن والتخفيف من معاناة المتضررين.
وفي هذا السياق، عبّر الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، عن استمرار الجيش في الوقوف إلى جانب الشعب الجزائري، باعتبار ذلك امتدادا لعلاقة تاريخية تشكلت خلال الثورة التحريرية وترسخت بعد الاستقلال.
وتبرز هذه العلاقة في مختلف المحطات التي تستدعي تعبئة وطنية، حيث يظهر أفراد الجيش في الميدان إلى جانب المواطنين، في صورة تعكس وحدة الانتماء والهدف، وتؤكد أن المؤسسة العسكرية جزء من النسيج الوطني ومهمتها الأساسية حماية الوطن ومؤسساته وسيادته.
التماسك الاجتماعي.. خط الدفاع الأول
وتؤكد التجارب التي مرت بها الجزائر أن التماسك الاجتماعي والتضامن بين المواطنين يمثلان مصدرا حقيقيا للقوة، خاصة في مواجهة الأزمات والكوارث. ففي الظروف الصعبة، تتراجع الحسابات الفردية أمام الشعور بالمصير المشترك، ويتحول التضامن إلى ممارسة عملية تساعد على تجاوز المحنة وتقليص آثارها.
وتمنح هذه الروح المجتمع قدرة أكبر على الصمود، إذ يتحول المتضرر من الكارثة إلى مسؤولية جماعية، وتتقاسم مختلف فئات المجتمع جهود مساعدته والوقوف إلى جانبه. كما تساهم المبادرات التضامنية في تعزيز الثقة وروح الانتماء، وترسيخ الإحساس بأن مواجهة الأزمات مسؤولية مشتركة.
وتتكامل قيمة التضامن الشعبي مع رابطة «جيش–شعب» ضمن منظومة أوسع من عناصر القوة الوطنية، قوامها وحدة المجتمع وتماسك مؤسسات الدولة وتكامل أدوارها. فالتجربة الجزائرية تؤكد أن قدرة الدولة على تجاوز المحن ترتبط أيضا بقدرة المجتمع على التعبئة والتضامن، وبمدى استعداد مختلف المؤسسات لتسخير إمكاناتها لخدمة المواطن.
الوحدة.. رصيد في مواجهة التحديات
وتكتسب هذه القيم أهمية إضافية في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، وتعدد مصادر التهديد وتشعبها. فالأمن والاستقرار لا يرتبطان بالقدرات العسكرية والمادية فقط، وإنما يتأثران أيضا بدرجة تماسك المجتمع وثقته في مؤسساته وقدرته على مواجهة الأزمات دون السماح لها بالتحول إلى عوامل تفكك واضطراب.
ومن هذا المنظور، يصبح الحفاظ على التلاحم الوطني وتعزيز قيم التضامن وتكريس الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة جزءا من مقومات الأمن والاستقرار، إلى جانب كونه قيمة اجتماعية وإنسانية.
وقد أثبتت الهبة الشعبية خلال محنة جيجل أن الذاكرة الوطنية ما تزال حاضرة في سلوك الجزائريين، وأن قيم التضامن التي رسختها الثورة التحريرية انتقلت بين الأجيال وأصبحت جزءا من الثقافة الوطنية. كما أعادت تلك المحنة إبراز صورة «الجزائر جسد واحد»، حين وقف المواطن إلى جانب أخيه، وتحركت مؤسسات الدولة في الميدان لتقديم الدعم والمساعدة.
وتبقى قوة الجزائر، في هذا السياق، مرتبطة بتلاحم شعبها ووحدة مؤسساتها وتكامل أدوارها وتمسكها بذاكرتها الوطنية. فكلما تعززت هذه العناصر، ازدادت قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة الأزمات والتحديات، وتحويل المحن إلى محطات تؤكد قوة الوحدة الوطنية وصلابة الجبهة الداخلية.
وفي المحصلة، فإن التضامن الشعبي ورابطة «جيش–شعب» يمثلان رصيدا وطنيا متجددا، يستمد قوته من تاريخ مشترك ومصير واحد، ويشكلان أحد عناصر قدرة الجزائر على حماية استقرارها ومواجهة التحديات، في ظل وعي جماعي بأن قوة الوطن تبدأ من تماسك أبنائه ووحدتهم حول مصالحه العليا.




