من الرقابـــة الوثائقيـة البيروقراطيــة إلى الرقابــة الذكيـــة للبيانـــات
يرى الخبير في العلاقات الإقتصادية الدولية، الدكتور علي لطرش، في قراءة أكاديمية باختلالات ملفات الاستيراد وآثارها الاقتصادية، أن نجاح وزارة التجارة الخارجية الجزائرية في كشف هذا النمط من الممارسات الملتوية، يُمثِّل محطة مفصلية في الانتقال من الرقابة الوثائقية البيروقراطية إلى الرقابة الذكية للبيانات، تماشيًا مع رؤية وإصلاحات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون.
أوضح الدكتور علي لطرش، في تصريحه لـ«الشعب”، أن الرقمنة صارت تتعدى كونها وسيلة لتحديث الإدارة، لتصبح أداة سيادية للدولة في حماية اقتصادها وتجارتها الخارجية من كل أشكال الفساد والتلاعب بالتصاريح، وفرض سيادة القانون، وضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.
وأبرز لطرش أن الشفافية وتنظيم التجارة الخارجية يعدّان من الركائز الأساسية لاستقرار الاقتصاد الوطني وحماية السيادة المالية. وفي إطار السعي نحو ترشيد الواردات وضبط السوق، كشفت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات الجزائرية عن تجاوزات وحالات غير قانونية شملت ملفات 1013 متعاملا اقتصاديا.
أين تجسدت هذه الاختلالات في تكرار واستعمال نفس النسخ من الوثائق الرسمية والبيانات المالية كالميزانيات المحاسبية وكشوف الهوية البنكية، وتطابق أرقام التعريف الجبائي لحساب عدة كيانات تجارية مختلفة، ونفس وثائق الجباية، ونفس حسابات الضمان الاجتماعي، فكّكت المعالجة الرقمية بالذكاء الإصطناعي كل ملابساتها وحيثياتها، وفقًا له.
ولم يكن كشف هذه الممارسات المشبوهة، بحسب لطرش، حصيلة رقابة تقليدية يعتريها العنصر البشري، بل جاء نتيجة الانتقال المنهجي نحو حوكمة الرقمنة الشاملة والهندسة التكنولوجية، حيث اعتمدت الوزارة عبر منصتها الرقمية المخصصة للبرامج التقديرية لاستيراد المواد الأولية والتجهيزات على تقنيات المقاطعة الآلية للبيانات (Cross-referencing) والخوارزميات المدعمة بالذكاء الاصطناعي للتحليل النمطي للسلوك المالي ورصد وتتبع الكيانات الصورية.
أما المطابقة التقاطعية (Data Matching) فكشفت التشابه الهيكلي بين الوثائق الرقمية المرفوعة، واستخرجت التكرارات غير المشروعة في البيانات الفردية مثل أرقام التسجيل الجبائي، الميزانيات المحاسبية المكررة، والسجلات التجارية. كما سمح التحليل النمطي للسلوك المالي برصد الحسابات والوثائق البنكية والشهادات الصادرة عن مكاتب ترقية الاستثمار التي استخدمت بوجه غير مشروع لإضفاء شرعية وهمية على أكثر من مؤسسة. وبالتالي، سمحت آلية تتبع الكيانات الصورية بالربط بين المعطيات الرقمية المودعة والمعاينات الميدانية لغربلة الشركات الناشطة فعليا عن الشركات الوهمية التي تعتمد على التزوير للحصول على حصص استيراد، يقول محدثنا.
استنزاف احتياطي الصرف الأجنبي
بالحديث عن الأثر الاقتصادي والمالي لهذه التجاوزات غير المشروعة، أفاد الدكتور علي، أن هذه التلاعبات التشغيلية والتنظيمية تُحدِث أضرارًا هيكلية بالغة على الاقتصاد الوطني، ومن أبرز تجلياتها استنزاف احتياطي الصرف الأجنبي، من خلال استخدام الميزانيات المكررة والشركات الوهمية كغطاء لتهريب رؤوس الأموال، وتحويل العملة الصعبة في السوق الموازية، وتبييض الأموال، ونفخ الفواتير دون إدخال سلع حقيقية ذات قيمة مضافة.
وأشار الخبير ذاته إلى أن هذه الأفعال ينجم عنها ضرر كبير بالمنافسة الشريفة والشفافية المؤدية إلى تشويه الأسواق؛ لأن مزاحمة الكيانات الوهمية للمتعاملين النزهاء تؤدي إلى خلق احتكارات ملتوية، ناهيك عن تعطيل آليات العرض والطلب.
وتابع: “يتّرتب على تكرار البيانات المالية ورقم التعريف الجبائي ضياع حقوق الخزينة العمومية من تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية المستحقة، وهو ما يصطلح عليه بالتهرب الجبائي والمالي. كما تتعطل سلاسل الإمداد للإنتاج الوطني عندما يُفرِّغ هذا السلوك الطفيلي آليات التقدير الفعلي للسياسات الاستيرادية من محتواها، مما يمس بتدفق المواد الأولية الحقيقية الموجهة للصناعة الوطنية الفعلية”.
التكييف المدني والجنائي لهذه الأفعال
يعتقد الأستاذ علي لطرش، أن هذه الأفعال تُصنَّف ضمن جرائم الفساد المالي والتزوير التجاري من الناحية القانونية، وفق التشريع الجزائري لقانون العقوبات، وقانون الصرف والحرية المالية، وقانون الممارسات التجارية. وبالتدقيق القانوني يُكيَّف فعل استعمال وثائق خاصة لكيان تجاري لصالح كيانات أخرى على أنه جريمة التزوير واستعمال المزور في محررات تجارية وبنكية، وهذا يوجب المتابعة الجزائية لجميع الأطراف المتورطة من المتعاملين، والمحرّرين، والمسهّلين.
واعتبر لطرش هذه التصرفات مخالِفة للتشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال، لما تحمله من شبهات خاصة جريمة تبييض الأموال وتهريبها.
وعليه، أقلّ ما يُفرض في مثل هذه الحالات عقوبات مدنية وجزائية وإدارية تمتد إلى سحب الاعتماد والشطب النهائي من السجل التجاري والمنصات الرقمية، بحسب قوله.
وخلص الدكتور لطرش إلى التأكيد على أن نجاح وزارة التجارة الخارجية في كشف هذا النمط من الممارسات الملتوية، يعدّ نقطة تحول وانتقال من الرقابة الوثائقية البيروقراطية إلى الرقابة الذكية للبيانات، التي تكون فيها الرقمنة أداة سيادية بيد الدولة لحماية أموالها واقتصادها وتجارتها الخارجية، وفرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء.
يذكر أن رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ترأس منتصف هذا الأسبوع، اجتماعًا للوقوف عن كثب على البيانات التي وردت مؤخرا من قِبل وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، حسب ما أفاد به بيان لرئاسة الجمهورية. ووفقًا للمصدر نفسه، فقد استدعى رئيس الجمهورية، عقب نشر المعطيات من قِبل وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، السادة الوزير الأول وعددًا من المسؤولين المباشرين على قطاعي التجارة والمالية، للوقوف عن كثب على هذه البيانات التي تمس مباشرة بالاقتصاد الوطني والمال العام، ولإتخاذ الإجراءات اللازمة ضد أصحاب التصريحات الكاذبة التي تهدف إلى استنزاف الخزينة العمومية ضمن مخطط محضر له بإحكام لضرب البنية التحتية للاقتصاد الوطني.
كما كشفت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، في بيان لها، عن أرقام لافتة تطرح تساؤلات حول مدى تناسب بعض تقديرات الاستيراد المصرح بها مع حجم المؤسسات المعنية وعدد العمال المصرح بهم خلال عملية معالجة ملفات البرامج التقديرية للاستيراد للسداسي الثاني من سنة 2026، بالمنصة الرقمية الخاصة باستيراد المواد الأولية ومدخلات الإنتاج. وبحسب المعطيات المستخرجة من المنصة، تقدم 3961 متعاملاً اقتصاديًا، يوظفون ما بين صفر وخمسة عمال فقط، بطلبات استيراد بلغت قيمتها الإجمالية 130.32 مليار دولار، للتأشير عليها من قبل مصالح الوزارة.





