الســلام والتضــامـن والرحمــة فـي صلــب التجربــة التشكيلــــيــة
اختارت الفنانة التشكيلية صليحة خليفي أن تجعل من معرضها «الخط اللهيبي والقيم الإنسانية العالمية» فضاءً للتأمل في القيم التي تؤسس للتعايش والسلام، مستلهمة في أعمالها العلاقة بين الحرف واللون، وبين الفن والتربية، في دعوة إلى استعادة المعاني الإنسانية التي ترى أنها بدأت تتلاشى في بعض المجتمعات.
جاء افتتاح المعرض بقاعة «فرانتز فانون» بديوان رياض الفتح في ظرف تزامن مع الحداد الوطني المعلن إثر حوادث الحرائق التي مسّت عدداً من ولايات الوطن، وهو ما منح المناسبة بعداً إنسانياً خاصاً، في وقت تضع فيه الفنانة السلام والتضامن والرحمة في صلب تجربتها التشكيلية.
وتحتضن التظاهرة، التي تتواصل إلى غاية 30 سبتمبر، نحو أربعين لوحة تستوقف الزائر عند جملة من القيم والمبادئ، من بينها الشرف والحوار والتفاهم والحب والحنان والمعرفة والكفاءة والحرية والسلام والتسامح، إلى جانب مفاهيم ذات صلة بالهوية والمعتقد، على غرار القرآن والزكاة والإسلام، فضلاً عن تناولها لمآسي إنسانية مثل الحروب والأوبئة والظلم.
الفن .. وسيلة لترسيخ القيم.
وتوضح صليحة خليفي أن خلفيتها في مجال التعليم واهتمامها بالفن جعلاها «حساسة لكل ما يدور حولها من منكرات»، وهو ما دفعها، حسب تصريحها، إلى جعل فنها «تربوياً يخدم كل القيم الإنسانية العالمية».
وتضيف الفنانة أنها لجأت في أعمالها إلى كتابة ألغاز تربوية ورسم مفاتيحها على اللوحات، من خلال الربط بين الحرف واللون، وبين الملاحظة والتفكير، بهدف تثبيت القيم لدى المتلقي وإعادة الاعتبار إليها، معتبرة أن الإنسان لا يستطيع بناء مستقبله وتحقيق أحلامه بعيداً عن القيم التي يكتسبها منذ طفولته الأولى داخل الأسرة والمدرسة.
وترى خليفي أن التربية على هذه المبادئ كفيلة بتكوين إنسان صالح وإيجابي، قادر على نقلها إلى الأجيال المقبلة والمساهمة في بناء مجتمع أكثر تضامناً وتراحماً، والتخفيف من وطأة الظلم والفقر والجهل، وصولاً إلى تحقيق العيش المشترك والتلاحم الاجتماعي.
«الخط اللهيبي».. حروف تستحضر معاناة الإنسان
وتعود تجربة الفنانة في ابتكار «الخطين اللهيبيين» العربي واللاتيني إلى سنة 1987، حيث اختارت هذه التسمية، كما تشرح، لأن نهايات الحروف تستحضر ألسنة اللهب.
غير أن النار في أعمالها، تؤكد خليفي، ليست ناراً حارقة، وإنما «نار معنوية» تعكس المعاناة التي يعيشها إنسان العصر جراء الحروب والخلافات بين الشعوب، وأحياناً داخل المجتمع الواحد، نتيجة فقدان القيم الإنسانية، وما ينجر عن ذلك من فقر وهلاك وتأخر واستمرار في «ظلام الجهل والغفلة».
وتقوم تجربتها على لغة تشكيلية خاصة تمنح الحرف حضوراً بصرياً ورمزياً، حيث تتداخل الكتابة مع اللون والتكوين، فيما يستلهم «الخط اللهيبي» أشكال اللهب للتعبير عن الألم الإنساني والتطلّع إلى السلام.
الحــــوار .. طريـــق نحـــو الســــــلام
وتؤكد الفنانة أن حلمها يتمثل في رؤية شعوب العالم «سعيدة ومستقرة وحرة وراقية»، داعية إلى أن تتحوّل الثروات الطبيعية والعلمية والثقافية والفنية إلى جسور للتعاون، من خلال الزيارات والتبادلات العلمية والثقافية والفنية القائمة على التراضي والأخوة والتضامن والمحبة.
وتستند خليفي في رؤيتها إلى وحدة الأصل الإنساني، مستشهدة بالآية الكريمة: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
وفي هذا السياق، تدعو إلى استبدال الضعف بالقوة، والتفرقة بالألفة والوحدة، والبغض بالمحبة، والعداوة بالتسامح، والخلافات بالحوار البناء، معتبرة أن العلم النافع والحفاظ على تاريخ وحضارات الشعوب يمكن أن يساهما في التقارب بين الثقافات.
وتلتقي هذه الرؤية مع مضمون الأعمال المعروضة، التي تقدم، وفق الفنانة، الفن باعتباره لغة كونية تتجاوز الحدود والاختلافات، وتحوّل الحرف إلى صورة، واللون إلى إحساس، والعلامة إلى فضاء للحوار والتواصل.
كما يتضمن المعرض لوحة تحيي فيها الفنانة الجيش الوطني الشعبي، مرفقة بقصيدة باللغة العربية تشيد برجاله الذين يكرسون حياتهم للدفاع عن الوطن.
ومن خلال تجربتها التي تتقاطع فيها التشكيل والخط والموسيقى والشعر والتراث، تسعى خليفي إلى تكريس الفن باعتباره وسيلة للتربية ونشر الوعي، مؤكدة أن «لا استقرار بعيداً عن الحرية والعدل والأمن، ولا سعادة دون الرحمة والكرامة والحب»، وأن الحوار البناء يظل، في عالم مثقل بالأزمات والانقسامات، أحد أهم السبل لبناء جسور الوئام والتضامن والرحمة والسلام.





