تستعيد الشاعرة لميس سعيدي في ديوانها الجديد «ورق حائط» ذكريات الزمان والمكان، مستحضرة حقبة الثمانينيات بكل زخمها القلق وتحولاتها الكبرى، لتعيد تزيين حيطان الذاكرة بهذا المولود الجديد، ولتمد جسورا من الشعر تربط بين جدران بيت الطفولة في الجزائر وبين مدن العالم من برلين إلى المكسيك، ومن مكتبة الأب المطلة على البحر إلى صرخات مغني «الريغي» وأوجاع أطفال الحجارة.
تكشف الشاعرة لميس لـ «الشعب»، حول هذا الإصدار، عن فلسفة العودة إلى الطفولة، كما تبرز كيف استطاعت التخلص من كثافة المجاز لصالح قصيدة تنحاز للواقع وتفتح نوافذها على شوارع العالم وتياراته.
ويحمل الديوان، الصادر حديثا عن دار العين للنشر بالقاهرة، عنوان «ورق حائط»، ليكون الإصدار الخامس في مسيرتها الشعرية، والثالث الذي يجمعها بدار نشر عربية بارزة، إذ تكشف في حديثها عن خلفيات اختيار العنوان، وعلاقتها بذاكرة الثمانينيات، وكيف تحولت تفاصيل الطفولة إلى مادة شعرية تنفتح على أسئلة الحاضر، ترجع ذلك إلى صورة ارتبطت بذاكرة البيوت في ثمانينيات القرن الماضي، خصوصا بيوت الطبقة المتوسطة، حيث كان ورق الحائط من مظاهر الزينة الشائعة، لكن العنوان، كما توضح، لا يقف عند دلالته المباشرة، بل يتحول إلى مدخل لذاكرة الطفولة، وإلى محاولة لصياغة الخلفية الجمالية والفنية والثقافية والسياسية لتلك الحقبة، وكأن الشاعرة تريد أن «تزيّن حيطان الذاكرة»، ويتصل الأمر أيضا بحلم طفولي قديم، حين كانت تتمنى أن تغطي ورق الحائط جدران بيت طفولتها المطلة على البحر، تلك الجدران التي كانت مكتبة والدها تغطيها بالكامل.
وتكتب الشاعرة: «أنا ابنة القرن العشرين / أنجبني بعدما بلغ الثمانين»، في إحالة واضحة إلى جيل عاش طفولته في تلك المرحلة المضطربة، فالثمانينيات بالنسبة إليها زمن انتقال من الأحلام الكبرى إلى «تراب الواقع»، كما تصفه، وهو واقع ترك أثره في الشوارع وملامح الناس، حينها كانت الأزمات والتحولات الكبرى حاضرة في وعي الطفلة، وأسهمت، من حيث لا تدري، في تشكيل حساسيتها الأولى تجاه العالم، وفي ولادة الذات الشاعرة لاحقا.
وقالت إن «ورق حائط» لا تستعيد حفلة الثمانينيات من خلال الأحداث الكبرى فقط، فزيادة على ذلك تمنح التفاصيل الهامشية مساحة واسعة، على غرار شكل الهاتف الأرضي، التلفزيون، غرفة الجلوس، المكتبة، الأغاني، وضحكات الأب، كلها تتحول إلى علامات شعرية.
وترى سعيدي أن كتابة التاريخ شعريا تتيح إعادة الاعتبار إلى هذه التفاصيل، لأنها جزء من ذاكرة أجيال كاملة، ومن تكوينها الوجداني والجمالي، وهنا تتحول الذاكرة من صور جامدة إلى أثر حي يصل الماضي بالحاضر، ومن البيت، تتسع مساحة الديوان نحو العالم، فالطفلة التي كانت تلعب داخل بيتها لم تكن منفصلة عما يجري خارج حدوده، كانت ترى صور أطفال الحجارة في فلسطين، وتصغي إلى أغان أجنبية، وتلتقط، بحساسية الطفولة، أصداء أحداث وآلام بعيدة، ومن هذه المسافة بين الخاص والعام، يبني الشعر جسرا يجعل التجربة الفردية قادرة على احتضان ذاكرة أوسع.
لذلك تضيف أن جغرافيا «ورق حائط» تمتد من الجزائر وفلسطين والقاهرة إلى برلين وميلانو وبوخارست والمكسيك، في محاولة للبحث عن الروابط الخفية بين التحولات السياسية والاقتصادية والفنية الكبرى وبين حياة طفلة في مدينة ساحلية بشمال إفريقيا، كما تحضر في الديوان صور وشخصيات متباعدة، من لاعبي كرة القدم إلى الشعراء الصعاليك، ومن مغني الريغي جيمي كليف إلى السيارة الروسية، وعلى اختلافها، يجمعها زمن واحد وذاكرة طفلة تحولت لاحقا إلى مادة للقصيدة.
ويمثل الديوان، في مسيرة سعيدي، خطوة أخرى نحو توسيع مفهوم القصيدة لديها، وتقول إن أبرز ما تغير في تجربتها، خصوصا في ديوانيها الأخيرين، هو الخروج من «شرنقة الذات» والتخفف من طبقات المجاز الكثيفة، لتصبح القصيدة بيتا يأوي عالم الداخل، لكنه يترك نوافذه مفتوحة على الشوارع وتيارات الخارج.
هكذا لا تبدو عودة لميس سعيدي إلى الثمانينيات مجرد حنين إلى الطفولة، وإنما محاولة لإعادة قراءة زمن ما تزال آثاره ممتدة في الحاضر، فالأشياء الصغيرة التي بقيت عالقة في الذاكرة تتحول داخل «ورق حائط»، إلى علامات شعرية تحفظ ذاكرة جيل، وتمنح الماضي فرصة جديدة لأن يتحدث بلغة القصيدة.





