هي الروح سرٌّ من أسرار بارئها، بقدسيتها وتفرّدها، نفحةٌ من نفحات الخالق، تألفُ مَن تألف فلا نملكُ عليها سُلطانًا، وتَعافُ مَن تعاف فلا نملكُ لها جُبرانًا، لا تستأذننا قبل أن تهوى، ولاتستشيرنا قبل أن تنفر، قوانينها مقضيّة، وأحكامها نافذة، وأمرها ليس من اختصاصنا، لها فلسفتها الخاصّة عندما تحب وتكره وتشتاق.
عندما تبدو أمامها كل الاتجاهات الجغرافية غير ممكنة وموائمة، تُبحر كخشبة طافية على وجه اللامكان، وفي الطريق تبدو الأشجار بلاعمر وكأنّها توقفت عن ولادة الورق الأخضر، والمدينة تُذيب الأسماء بحامض الكبريت، فتضيق زنزانتها وفي عينيها ميدان تحرير؛ فقلبها مدينة مستنفرة للحب فوق الركام، لكنَّ الهموم تحمل لها «ركوة القهوة « كل صباح ثم تنسحبُ على أطراف أصابعها لترمقها من ثقب الباب بخبث «ماذا عساها فاعلة» بينما تحدّثُ نفسك: أنّى لي مطرٌ ينعقد من قسوة هجيري حتى لايغدو حبل أفكاري هو حبل مشنقتي، فما أطول هذا الحبل الذي أنشر عليه خيباتي في الآخرين.
تُدحرجكَ غربة الروح مثل كرة الصوف حتى النهاية فوق العشب والزؤان وأنت تشتّمُ حدائق الريحان وأشجار اللوز، ومثل زمن هاربٍ من كل الأزمنة تبحث عن أشباهك، عن أيادٍ تعرف كيف تُخرج وردة وتزرعها في عُروة الكون، وكيف تختصر الألياذة من الألف إلى الياء، إلى أن تجدهم يتساقطون عليك كالأمطار الاستوائية دفعًة واحدة، فترى الغابات تتبرعُ بأوراقها، والعصافيرُ بأجنحتها، والجميلاتُ بضفائرهن، والغزلان بجلودها، فيشيّعون أحزانك كقتلى الحروب على عربة مدفع، فتنبت تحت قميصك عريشة عنب، ويقفز قلبك كأرنبٍ أبيض، هم أشباه الروح شرايينهم مغزولة من (البروكار الدمشقيّ)، ومسكونة بالبشر والقطارات الشعبية وخربشات الجميع، أشرعتهم لا تعبر كحمائم بيضاء فحسب، بل تنتقل لحرفة فتحٍ وتحرير عند الحاجة، وهم ضروبٌ من الناس طعناتهم تتلوّن بالأخضر، ينبت على ضفافها القمح وشقائق النعمان.
وربّما يحلمون بامتلاك الشمس وتغيير نظام مجرتنا، ويسبحون ضد جاذبية الأرض، وعلى الضفّة المقابلة تجد المتفرّجين يضحكون، ويبكون، ويصفقون، ويحتجون ويقذفون الممثلين تارةً بالورد، وتارةً « بالبندورة» ولا يحاولون الانتقال لصفوفهم أو الانضمام لـ»الكومبارس»؛ إذ ليس لديهم أي دور في الرواية كلها، وثمّة من يحاربون في قعر الفنجان ويعرفون أنَّ حركتهم محدودة بجغرافيته وبهشاشة البورسلين، ويستميتون لجعل معاركهم خارجه لأنّهم يعلمون أن دولتهم خزفية التكوين قابلة للكسر، وآخرون يسكبون الحبر الأسود على زُرقة السماء؛ فهم مُنشدون بارعون على مقام التناهيد النهاوندي الحزين، وهناك أيضًا المغيّبون تحت الماء، الذين لايدركون مساحة البحر، وليس لديهم أدنى فكرةٌ عن التيارات الغامضة الّتي تتحكم بحركته.
ألا ترى بعد هذا الإبحار والتجديف بينهم أنَّ الإنسان الغريب ليس الإنسان، الذي لم تقابله، بل الإنسان الذي قابلته ولم تعرفه، تحدّثت معه ولم تفهمه، عشت معه فازددت به جهلًا، فالزمن لايحل ألغاز البشر، ولا يكشف أسرارهم، بل ربّما يزيدها تعقيدًا وإبهامًا وغموضًا. يقول جبران خليل جبران: «ما أجهل الناس الّذين يتوهَّمون أنَّ المحبة تأتي بالمُعاشرة الطويلة، إنَّ المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي»؛ فللأرواح قدرة على التخاطر وإدراك خبايا النفس، وأثرها عميق بعمق التجاذب، فالقلب الليّن ينساقُ إلى ما يشبهه، والقلب الذي يحمل الغِلظ يميلُ إلى نظيره ومَن يشاكله، وفي الحديث النبويّ الشريف:» الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ فما تعارفَ منها ائتلفَ وما تناكرَ منها اختلفَ».
وإن تجاذب الأرواح من أسمى العلاقات الإنسانية لأنَّ الوجوه والأشكالَ تتكرر، أمّا الأرواح فلا تتكرر، ذلك أنَّ عالم الأرواح يتعدّى الشكليات والماديات والغرائز الحسيّة حيث التجانس في الطباع الباطنة والسمات الخفيّة؛ فمن منّا لم يسمع برسائل جبران والكاتبة مي زيادة، أو رسائل غسان كنفاني وغادة السمّان وغيرهم، وكيف وثّقتهم سلاسل روحية قوّية عصيّة على المسافات، وجانستهم كيمياء في هارموني متناغم فريد.
وغالبًا عندما تستوقفك روحًا عابرة، فتلك الروح أيضًا يلفتها ما بداخلك، ليتدفّق الحب دونما مقدّمات، فالحب ثمرة توفيق إلهي وسماوي لا اجتهادٍ شخصي، وسبب عدم قدرتك على إخراج شخصٍ من تفكيرك – على نحو علم النفس – هو أنَّ الشخص ذاته يفكّر بك، وعندها يكون الحب كطاقة كامنة كانت موجودة وتم تأجيل المشاعر لحين بلوغ لحظة التلاقي، وعليه فإنَّ أرقى العلاقات الإنسانية تلك التي يكتتفها تآلف الأرواح تلك الغريزة الفطرية البعيدة عن مسرح الحواس الخمس. يقول مصطفى العقّاد :» نحنُ لا نُحب حين نختار، ولا نختار حين نُحب، إننا مع القدر حين نُولدُ وحينَ نُحب وحينَ نموت». ولعلّ الطبيعة شاهدة من حولنا على التجاذب والتنافر ففي الكيمياء هناك أيّونات تتفاعل وتتجاذب، وفي الفيزياء عناصر تتآلف وتتنافر، حتّى في المجال الطاقي فإنَّ اتحاد الأرواح هو توافق وتشابه في الهالات والذبذبات العالية المرتفعة. في آخر المطاف وفي دائرتك المليئة بالنُسخ الكربونية، وعندما تشعر كينونتك الداخلية بالتهديد لفرط التماهي مع ما لايشبهها وليس على مقاس روحها، لا تستعجل العثور على الأجزاء المبعثرة الناقصة من لوحة « البازل» خاصتك ففي كل يوم ستُمسك بقطعة جديدة من ذاتك وأُخرى تُكملها، وقد تضيّع قطعاً كثيرة إلّا أنّكَ كلّما تأملت ذاتك عبر دورة الأيام وراجعتها ستكسب قِطعًا أكثر ستعوّضك عن الّتي تساقطت منك بينما كنت تبحث عن التعايش، وستستمر في جمع قطع روحك
يومًا بعد يوم، ولن تكتمل الصورة إلّا عندما تموت، وعلى هذا الأساس تكون لعبة البازل خاصتنا، ومن خلال هذه اللعبة نعيش الحياة.






