أشعة الشمس بدت أقل حدة في وسط السماء الرمادية، والأشجار تبدو كلوحة متدرجة الألوان مابين الذهبي والأصفر والنحاسي والبرتقالي، ونسائم الخريف تدخل نافذة غرفتنا محملةً برائحة الوداع.. أكان الخريف قدرنا؟ أن تطوى سعادتنا كورقة يابسة تطيرها الرياح بعيداً.
عيناي تراقب السّاعة إنّه موعد عودته من العمل.. رحت أتفقد المائدة التي أعددتها بحرص.. أطباق البورسلان الأبيض، بجانبها الشوكات والملاعق الفضيّة مصطفّة بانتظام، ورود بيضاء نديّة في مزهريةٍ أنيقة وسط المائدة، والطّبق الرئيسيّ حساء الخضروات الذي يفضّله والذي طهوته له بكلّ حبّ..
سمعت صوت قفل المفتاح يدور بالباب، استقبلته والأسى يفيض من عيني.
فبادرني بابتسامةٍ متكلّفة
– مرحباً ، لقد كان يوماً طويلاً وشاقاً، رائحة الطّعام شهيّة.. أزاح الكرسيّ وجلس، سكبَ الحساء في طبقه وراحَ يتناول طعامه بصمت، بينما أنا أتأمّله وذهني يستعيد ما مضى، بل يُخلّقه من جديد.. ذرةً ذرة.. كأنه.. هو!
ذُهل عندما رآني أظهر أمامه من العدم، وكأنني شبحٌ عائدٌ من الماضي؛ كانا خارجين من محلّ الألعاب، تمسكُ بيده وهي ترتدي فستاناً أبيض اللّون أنيقاً ، وتحمل لعبةً مغلفةً بورقٍ ملونٍ جذّاب.
اقتربت منه وسألته:
– ما مشكلتي أنا؟ لماذا تحبّها هي وهجرت أمّي وأضعتني؟!
اقتربَ منّي وقال:
– صغيرتي؛ إنها ليست مشكلتك، بل مشكلتي أنا.. حينها لم أكن أباً ناضجاً، اقترفت الكثير من الأخطاء، لذا… كان عليّ البدءُ من جديد.
– وتطويني أنا مع ماضيك؟! وما ذنبي أنا لأحرمَ من كلمة أبي؟!
رفعت رأسي نحوه و بادرته: ما مشكلتي؟!
تأمّلني مندهشاً، أكملت…
– ألم أكن زوجةً صالحة؟ ماذا فعلتُ لك؟ في ماذا قصّرت؟
توقّف عن الطّعام، ورجع بجذعهِ إلى ظهر الكرسي، ونظر في عينيّ باستغراب، ثمّ قال بثباتٍ انفعاليّ وبنبرةٍ حادّة:
– لقد انتهينا من الجدل في هذا الموضوع، حاولنا كثيراً أن نصلحَ الأمر وفشلنا، صدّقيني هذا لمصلحتنا نحن الاثنان.
سكت لبرهةٍ ثمّ أردف بنبرةٍ آتية من كهفٍ عميقٍ جاف:
– إنّها ليست مشكلتك، إنها مشكلتي أنا، أحياناً يتوجّب على المرء أن يبدأ من جديد.
– وتطويني أنا؟!
أجابَ بعصبية:
– لقد قرّرت وانتهى الأمر…
لم يكمل جملته وأنا شاخصة إليه أترقّب
– ما خطب هذا الح… س… ا…ء؟
كنت أمتع عينيّ برؤيته وهو يتلوّى أمامي على الأرض، ويلفظ أنفاسه الأخيرة؛ نظرت إليه ببرود، عيناه قد جحظتا وتدلّى لسانه، وقلت بينما كانت يدي تجفّف تعرّق جبهته:
– لن يحبك أحد مثلما أحببتك يا أبي.






