بفضل إطلاق مشاريع رائدة ووفرة قدرات ضخمة تتنامى تدريجيا، أصبحت الجزائر أسرع نموا في الطاقة المتجددة على الصعيد الإقليمي باعتراف الخبراء الدوليين، وبدأت الأنظار تتجه إليها، لأنها تعرف في الوقت الراهن تحول تاريخي في مسارها التنموي والاقتصادي، حيث تسعى لبناء قوة طاقوية تجمع بين الطاقة التقليدية والنظيفة، وتهدف في هذا الإطار إلى تحويل المورد الشمسي في الجنوب والهضاب العليا إلى محرك للتنمية، ورافد للاقتصاد، وأداة لتعزيز الحضور الإقليمي والدولي.
تكتسي المرحلة الراهنة، وتحديداعام 2026، طابعا حاسما لأن الجزائر انتقلت من مرحلة «التخطيط والدراسات» إلى مرحلة «التجسيد والإنتاج الفعلي». والأرقام الهامة المعلنة حول دخول محطات بقدرة 400 ميغاواط حيز الخدمة، واستهداف إضافة أكثر من 1400 ميغاواط خلال العام نفسه، تعد مؤشرات على تطور المنظومة التنفيذية وقدرتها على الإنجاز.
ويتوافق هذا الزخم مع البرنامج الطموح الذي يستهدف 4000 ميغاواط كمرحلة أولى، ويمهد لرؤية أبعد طموحا تصل إلى 15 ألف ميغاواط في أفاق عام 2035.
هذا التدرج في إدارة التحول، عبر استيعاب التكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، وتدريب المورد البشري بشكل متواز مع زيادة القدرات الإنتاجية، يضمن استدامة المشروع ويوفر قدرات هائلة في منظومة الإمداد الكهربائي. ويمكن قراءة هذا التوجه الاستراتيجي ضمن «المعادلة الاقتصادية» الذكية التي تعتمدها الجزائر، والتي تربط بين تطوير الطاقة الشمسية والمحافظة على ثروة المحروقات.
لأن كل ميغاواط ينتج من الشمس هو ميغاواط يوفر من الغاز الطبيعي، وهذا التوفير هو وسيلة لزيادة القيمة المضافة للموارد الوطنية. وتوفير كميات الغاز الموجهة لإنتاج الكهرباء محليا يفتح آفاقا واسعة لتصدير مورد الغاز بأسعار تنافسية في الأسواق العالمية، أو توجيهه كمدخلات حيوية للصناعات التحويلية والبتروكيماوية المحلية، مما يخلق ثروة مضاعفة ويدعم الصناعة الوطنية. وبالتالي، فإن الطاقة الشمسية تدعم ثروة الغاز وتعزز ريادة الجزائر الطاقوية.
ويذكر أن الورشات المفتوحة في مجال الطاقات المتجددة تعمل كحاضنة لصناعة وطنية جديدة. لأن العملية تستدعي بناء منظومة صناعية وخدمية متكاملة تشمل الدراسات الهندسية، تصنيع المكونات، النقل، التركيب، والصيانة.
وهذا ما يفسر الحرص الحكومي على رفع نسبة الإدماج المحلي، وتحويل هذه المشاريع إلى فرص لتكوين جيل جديد من المهندسين والفنيين الجزائريين، ونقل الخبرة التكنولوجية.
وعلما أن الجزائر تعمل على بناء «سلسلة قيمة» محلية تضمن أن عوائد الاستثمار الطاقوي يضخ جزء منها في عجلة الاقتصاد الوطني، مما يخلق فرص عمل ويحفز القطاعات المرتبطة مثل صناعة الكابلات، الهياكل المعدنية، وأنظمة المراقبة الذكية.
احترافيـة التجربـة الجزائرية
وتعبد وفرة الإشعاع الشمسي في الجزائر الطريق من أجل إنتاج هيدروجين أخضر بتكلفة تنافسية تغطي الطلب في الأسواق الأوروبية والعالمية. وهذا المسار يضع الجزائر في موقع المتقدم إقليميا، حيث ستتحول إلى قطب للطاقة النظيفة في منطقة البحر المتوسط. والاستعدادات الحالية وتطوير الدراسات التقنية والاقتصادية للهيدروجين تؤكد أن الجزائر تنظر إلى ما هو أبعد من آفاق عام2035، على اعتبار أنها تعكف اليوم بثقة وكفاءةعلى بناء القواعد التي تمنحها الريادة القارية والمتوسطية في سوق الطاقة العالمي المستقبلي الذي سيعتمد كثيرا على الكربون المنخفض.
ويمكن المراهنة على قوة واحترافية التجربة الجزائرية، والمتمثلة في التكامل المؤسسي والتقني الذي توفره «سونلغاز».
فشبكة الكهرباء الوطنية الواسعة، والخبرة التراكمية في إدارة الأنظمة المعقدة، تشكل العمود الفقري الذي يضمن استيعاب هذه القدرات الجديدة.كما أن تطوير شبكة النقل والتوزيع، واستحداث حلول التخزين، يسير بالموازاة مع بناء محطات الإنتاج، مما يضمن أن الزيادة في القدرات الخضراء ستعزز من استقرار ومرونة الشبكات.
إن ما تشهده الجزائر اليوم هو تأسيس لمستقبل طاقوي جديد، يقوم على التنويع والأمن والاستدامة. والانتقال من الاعتماد الأحادي على النفط والغاز إلى مزيج طاقوي متوازن يضم الشمس والهيدروجين والمحروقات التقليدية، وهو ضمانة حقيقية للسيادة الطاقوية الوطنية في عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية.
ولا يخفى أن الجزائر التي تمتلك المساحات الشاسعة، والشمس الساطعة، والكفاءات البشرية، والبنية التحتية القائمة، تمتلك القدرة لتصبح فاعلا محوريا أكثر تأثيرا في معادلة الطاقة العالمية. ومع كل محطة جديدة تضاف إلى الشبكة، تقترب الجزائر أكثر من تحقيق حلمها في تحويل مواردها الطبيعية إلى ثروة مستدامة، وبناء مستقبل طاقوي يليق بمكانتها وثقلها الإقليمي.

