أكّدت الباحثة في التراث الدكتورة عائشة حنفي أن إنشاء الوكالة الوطنية للآثار من شأنه أن يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز حماية التراث الأثري الجزائري وتثمينه، بالنظر إلى ما تزخر به البلاد من مواقع ومعالم تعكس تنوع الحضارات التي تعاقبت عليها عبر آلاف السنين.
أوضحت الباحثة في تصريح لـ «الشعب»، أن أهمية هذه الهيئة الجديدة تكمن في قدرتها على توحيد جهود حماية المواقع والمعالم الأثرية والمحافظة عليها من التدهور والإهمال والتخريب، إلى جانب تنظيم عمليات الترميم والصيانة وفق أساليب علمية تحافظ على أصالتها وقيمتها التاريخية.
وأبرزت في هذا السياق أهمية جرد وتوثيق التراث الأثري وإنشاء قواعد بيانات وطنية دقيقة للمواقع والقطع الأثرية، بما يسمح بمتابعتها وحمايتها، لاسيما في ظل مخاطر السرقة والاتجار غير المشروع بالآثار. كما يمكن للوكالة، حسبها، أن تدعم البحث العلمي والحفريات الأثرية وتشجع التعاون بين الباحثين والجامعات ومراكز البحث الوطنية والدولية.
وفيما يتعلق بالحفريات واكتشاف المواقع الأثرية، ترى الدكتورة حنفي أن الوكالة مطالبة بوضع استراتيجية وطنية تستند إلى تنظيم وتمويل حملات التنقيب وتوفير التجهيزات الحديثة للباحثين، مع توجيه عمليات البحث نحو المناطق التي يرجح احتضانها لاكتشافات جديدة، بالنظر إلى اتساع مساحة الجزائر وتنوعها الحضاري الممتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترات النوميدية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية.
كما شدّدت على أهمية توظيف التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال، لاسيما التصوير الجوي والاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية والمسح الجيوفيزيائي وتحليل صور الأقمار الصناعية، بما يسمح بتحديد المواقع الواعدة بدقة أكبر وتقليص الوقت والتكاليف والأضرار المحتملة التي قد تلحق بالمواقع الأثرية.
وأكّدت أنّ مهمة الوكالة لا ينبغي أن تتوقف عند اكتشاف الآثار، بل تمتد إلى دراسة المكتشفات وتحليلها وترميمها وحفظها، مع دعم المخابر المتخصصة وتكوين جيل جديد من الباحثين، وتشجيع التعاون بين علم الآثار والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا والأنثروبولوجيا والكيمياء والبيولوجيا، بما يسمح بإعادة بناء جوانب مختلفة من حياة المجتمعات القديمة.
وبخصوص تثمين هذا الرصيد، اعتبرت الباحثة أن الهيئة الجديدة يمكن أن تساهم في الانتقال من مجرد حماية الآثار إلى جعلها عنصرًا فاعلًا في الثقافة والتعليم والسياحة والتنمية. ويتحقق ذلك، حسبها، من خلال تهيئة المواقع وفتحها أمام الزوار، وإنشاء مسارات ثقافية وسياحية، وتنظيم المعارض والندوات والبرامج التعليمية، إلى جانب الاستفادة من الرقمنة والجولات الافتراضية والواقع المعزز للتعريف بالتراث، خصوصًا لدى الشباب.
كما يمكن للوكالة أن تعزّز حضور التراث الجزائري دوليًا، من خلال إعداد ملفات علمية لترشيح مواقع جديدة ضمن قائمة التراث العالمي، وتطوير التعاون مع المؤسسات والمتاحف ومراكز البحث الأجنبية، بما يبرز الامتداد الحضاري للجزائر وتنوع روافده.
وخلصت الدكتورة حنفي إلى أن نجاح هذه الهيئة يبقى مرتبطًا بتوفير الإمكانات البشرية والمادية اللازمة، وتعزيز التنسيق مع الجامعات والمتاحف وقطاعات السياحة والجماعات المحلية، إلى جانب إشراك المجتمع في حماية المواقع والتعريف بها، مؤكدة أن التراث الأثري لا يمثل مجرد شواهد على الماضي، بل ثروة وطنية حية يمكن أن تساهم في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.







