التوتــر المؤقــّت أثبــت محوريــة الدور الجزائــري في استقــرار السّاحــل
الإنفراجة أظهـرت إدراكًـا بـأنّ المشاكـل الإفريقيـة يجـب حلّهـا بأيـادٍ إفريقيـة
أكّد الصحفي والباحث المالي المختص في قضايا الساحل الإفريقي، محمد ويس المهري، أنّ العلاقات بين الجزائر وباماكو، تكتسي أهمية جيوستراتيجية بالغة، بالنظر إلى الامتداد الجغرافي والروابط التاريخية والاجتماعية الوثيقة التي تجمع البلدين والشعبين الشقيقين.
أوضح محمد ويس المهري، في تصريح خصّ به «الشعب»، أنّ الواقع الإقليمي أثبت حتمية التواصل المباشر والتعاون المبني على السيادة الوطنية والاحترام المتبادل بين الجزائر ومالي، بإعتبارهما ركيزتان أساسيّتان لتحقيق الاستقرار والازدهار في منطقة السّاحل، حيث تنتظرهما تحديات أمنية وسياسية مركّبة تشهدها المنطقة حاليًا.
وأبرز ويس أنّ العلاقات الثنائية بين البلدين شهدت تقلّبات دبلوماسية أدّت إلى تجميد مؤقت لبعض قنوات التواصل، غير أنّ هذا التوتر أثبت لجميع الأطراف محورية الدور الجزائري في استقرار جوارها الجنوبي، وحتمية التنسيق الدائم لضمان أمن الحدود المشتركة والسّاحل الإفريقي ككلّ.
وجاءت التحرّكات الدبلوماسية الأخيرة لتؤكّد الرغبة الصادقة في تجاوز الخلافات؛ حيث أثمرت الجهود إعادة فتح المجال الجوي واستئناف النشاط الدبلوماسي الكامل عبر تبادل السّفراء وزيارات رؤساء الحكومتين، ممّا شكّل بداية مرحلة جديدة من الإنفراج والتّفاهم. ويعكس هذا الإنفراج إدراكًا متبادلاً بأنّ المشاكل والشؤون الإفريقية يجب أن تُحلّ بأيادٍ إفريقية، بعيداً عن التدخّلات الأجنبية التي فاقمت من حالة الاستقطاب، بحسب قوله.
تحديات مشتركة للبلدين
كشف المهري، أنّ التطور الحاصل في الدبلوماسية الثنائية يتجلّى في عدة محاور استراتيجية، مثل التنسيق الأمني والحدودي؛ إذ يمثل التهديد العابر للحدود كالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية تحديًا مشتركًا للطرفين. وتستند مقاربة البلدين إلى ضرورة تأمين الشريط الحدودي الممتد لـ 1300 كم، في ظل احترام وحدة الأراضي والسيادة الوطنية وحسن الجوار.
وفي ضوء هذا الوضع، استمرّت الجزائر في تقديم الدعم التنموي والإنساني لمالي، إيمانًا منها بأنّ الحلول الأمنية وحدها غير كافية، وأنّ تحقيق الأمن الدائم يمرّ حتمًا عبر تنمية المناطق الحدودية ودعم المبادرات المحلية. كما تمّ إعادة تنشيط آليات التشاور، وتبادل زيارات رفيعة المستوى، وتكثيف اللقاءات، مع فتح قنوات التنسيق السياسي على أعلى مستوى لتفادي سوء الفهم، وسدّ أي ثغرات قد تُستغل لإثارة التوتر، يذكر محدثنا.
آفاق شراكة واعدة
يرى المهري أنّ الرؤية المستقبلية للعلاقات الجزائرية –المالية، ترتكز على الانتقال من مجرّد إدارة الأزمات إلى بناء شراكة استراتيجية متكاملة تخدم تطلّعات البلدين والشعبين الشقيقين، وتتحدّد أهم مجالاتها في عدة ميادين على غرار الإنعاش الاقتصادي، وذلك عبر إعادة تفعيل اللّجنة الكبرى المشتركة للتعاون، وتحديث الإطار القانوني المنظم للتجارة البينية لضمان انسيابية السلع والخدمات.
واستنادًا إلى المصدر ذاته، يأتي الاستثمار في الطاقة كالإستكشاف النفطي والخدمات البترولية في مقدمة فرص التعاون المنتظر استغلالها، إلى جانب تطوير البنية التحتية والربط الكهربائي.
ويهدف الطرفان إلى استغلال انضمامهما لإتفاقية التجارة الحرّة القارية الإفريقية، بجعل المعابر الحدودية شريانًا رئيسياً لنقل البضائع والسلع نحو مالي ودول الساحل. علاوة على ذلك، توسيع برامج المنح الدراسية والتدريب المهني للشباب المالي لبناء قدرات بشرية تُسهم في استقرار مؤسّسات الدولة ودعم التنمية المحلية، وفقًا للباحث.
مبادئ تؤسّس للمستقبل
توقّع المهري، ارتباط المرحلة المقبلة بالثوابت الأساسية التي تحكم دائما العلاقات بين البلدين، والالتزام بعدم الإضرار بمصالح الجوار، والعمل بمنطق المنفعة المشتركة من خلال توجيه التعاون نحو مشاريع تنموية ملموسة مستدامة تعود بالنفع المباشر على البلدين الشقيقين، خاصة في ولايات الجنوب الجزائري وشمال مالي.
علاوة على ذلك، تكثيف الحوار السياسي، والاعتماد على الدبلوماسية الوقائية واللّجان الحدودية للتعامل السريع مع أي أحداث طارئة على الشريط الحدودي، بحسب ما أفاد.
وخلص المتحدث، إلى التأكيد على أنّ التقدّم الحاصل في العلاقات الجزائرية-المالية، يعكس وعيًا عميقًا بضرورة تجميع وتوحيد جهود التعاون الإقليمية؛ فالجزائر المستقرّة تحتاج إلى مالي موحّدة وآمنة، وباماكو تُدرك أنّ الجزائر تظلّ حليفًا أساسيًا وموثوقًا لا غنى عنه للعبور نحو التنمية والوصول إلى الاستقرار والأمن الدائمين.
هذا وأكّد الوزير الأول، السيد سيفي غريب، في زيارته الأخيرة لباماكو، عزم قيادتي الجزائر ومالي الراسخ على تعزيز علاقات التضامن والتعاون الثنائي بين البلدين. وعقب استقباله من قبل رئيس المرحلة الانتقالية، رئيس الدولة لجمهورية مالي، الفريق الأول أسيمي غويتا، أوضح غريب، أنّ وجوده بباماكو، عقب الزيارة التي قام بها نظيره المالي إلى الجزائر قبل أيام، يعكس الإرادة السياسية الصادقة التي يتقاسمها قائدا البلدين، وعزمهما الراسخ على تعزيز علاقات التضامن والتعاون الثنائي بما يخدم المصالح العليا للشعبين.


