وسط توقّعات بمشاركة نحو 130 من رؤساء الدول والحكومات، تنطلق اليوم اجتماعات الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك بمقر المنظمة الدولية بنيويورك. ويأتي انعقاد هذه الدورة على وقع اتّساع رقعة الحروب والأزمات، وعلى رأسها الصراعات في الشرق الأوسط وتعثر المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وتداعيات حربهما، واستمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتواصل الانتهاكات الصهيونية في غزة ولبنان.
وبحسب البرنامج المفصّل الذي نشره موقع الأمم المتحدة، فإنّ الدورة 81 ستناقش على مدار أسبوع كامل موضوع «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع».
وستبحث من خلاله عن حلول للتحديات العالمية المتشابكة من أجل تعزيز السلام والأمن والتنمية المستدامة، حيث تُعد المناقشة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة لرؤساء الدول والحكومات للالتقاء في مقر الأمم المتحدة ومناقشة القضايا العالمية. وسيقدم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي يشارف على نهاية عهدته، التقرير السنوي (A/81/1) عن أنشطة المنظمة في افتتاح المناقشة العامة.
استعــادة الثقـة فـي ظـروف معقّـدة
بالموازاة مع توقّع مشاركة كثيفة للقادة في أكبر تجمع سياسي منتظم في العالم، فإنّ اجتماعات هذه الدورة تأتي في ظرف يبدو أكثر تعقيدا تميّزه الحروب والأزمات الإنسانية الممتدة، والتنافس محتدم بين القوى الكبرى، والتغير المناخي المتسارع، والمخاوف من الأوبئة الجديدة، والسباق التكنولوجي الذي يقوده الذكاء الاصطناعي، والضغوط السياسية والمالية المتزايدة التي تواجه النظام الدولي.
ولا تقتصر اجتماعات الدورة على كلمات القادة في قاعة الجمعية العامة، فالبرنامج الرسمي يرسم مسارا متكاملا يبدأ عمليا قبل المناقشة العامة، ثمّ يمتد إلى سلسلة من الاجتماعات المتخصّصة في التنمية والمناخ والصّحة وحقوق الإنسان ونزع السلاح.
حـروب مفتوحــة
غير أنّ السياسة والأمن سيفرضان نفسيهما بقوة بمجرّد افتتاح المناقشة العامة اليوم، وفي المقدمة تأتي حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا.
ومن المتوقّع أن يحتل الشرق الأوسط مساحة واسعة في كلمات الزعماء والاجتماعات الثنائية، في ظل استمرار التوترات الإقليمية والاعتداءات الصهيونية على قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان.
وستركّز النقاشات على تعثر المفاوضات الأمريكية – الإيرانية واتساع رقعة الصراع بهجمات الحوثيين على السعودية، وتوالي تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية على الأسواق العالمية، في ظل استمرار غلق مضيق هرمز وتهديدات بتعطّل الإمدادات عبر مضيق باب المندب، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم ارتفاع أسعار الطاقة.
ويتضمّن جدول الأعمال أيضاً الحرب الروسية – الأوكرانية المستمرة، منذ أكثر من أربعة أعوام. وستكون الأوضاع في السودان حاضرة أيضا، في المحفل الدولي الكبير، حيث وصف غوتيريش الوضع الإنساني هناك بأنه مدمّر، محذّرا كذلك من دور التدخّلات الخارجية وتدفق الأسلحة في إطالة الصراع. وبدرجات أقل، ستشهد النقاشات حضور أزمات أخرى تمتد من اليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى هاييتي ومنطقة الساحل وميانمار.
الذكــاء الاصطناعــي
إلى جانب جدول الاجتماعات الرسمي، يتوقّع أن يصبح الذكاء الاصطناعي أحد أكثر الموضوعات الجديدة حضورا هذا العام بينما تتصاعد الدعوات إلى تشديد الضوابط الناظمة لتطويره، بعد سلسلة حوادث وتحذيرات أصدرها عدد كبير من روّاد هذا القطاع.
فقد دعا عدد من كبار قادة قطاع الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء تطوير هذه التكنولوجيا بشكل منسّق، محذّرين من أنها ربما تصبح قريبا قادرة على تطوير نفسها ذاتيا والخروج عن سيطرة البشر.
وعلى وقع المنافسة الشرسة والسباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، دعا غوتيريش إلى تعزيز التنسيق الدولي، مؤكّدا أنّ العالم «لا يستطيع أن يتحمّل الدخول في سباق نحو الأسفل فيما يتعلّق بمعايير سلامة الذكاء الاصطناعي».
ووضع غوتيريش مخاطر الذكاء الاصطناعي غير المنضبط إلى جانب المناخ وعدم المساواة ضمن التهديدات الكبرى التي تحتاج إلى تعاون دولي، محذّرا من سباق تكنولوجي يتقدم بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على فهم بعض مخاطره ووضع ضمانات له.
جدير بالذكر أنه من المقرّر عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة هذه القضية، علما بأنّ الأمم المتحدة ترعى حوارا عالميا حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في محاولة لبناء تفاهمات دولية بشأن السلامة والمساءلة والإشراف البشري وتوزيع فوائد التكنولوجيا بصورة أكثر عدالة.
المنـاخ
في ظل تسجيل درجات حرارة غير مسبوقة حول العالم وتزايد الظواهر الجوية القصوى سيواصل غوتيريش، كما فعل طوال فترة ولايته، الدفع نحو اتخاذ مزيد من الإجراءات العالمية لمواجهة التغير المناخي.
وسيعقد الأمين العام اجتماعا حول «العمل المناخي والتحول العادل»، يليه يوم مخصّص لمناقشة ارتفاع منسوب مياه البحر، الذي يشكّل تهديدا وجوديا للدول الجزرية المنخفضة.
هذا، وتتزامن أعمال دورة الجمعية العامة مع استمرار مشروع إصلاح الأمم المتحدة، الذي يتناول كفاءة المنظمة وهياكلها وطريقة تنفيذ التفويضات، في وقت دعا فيه رئيس الجمعية العامة الدول الأعضاء إلى سداد مساهماتها المالية كاملة وفي موعدها، رابطا استعادة الثقة بقدرة المنظمة على تحقيق نتائج ملموسة وإصلاح نفسها.
خليفـة غوتيريــش
كما تنعقد الدورة في وقت يواجه فيه النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية ضغوطا متزايدة، بينما تكافح الأمم المتحدة للحفاظ على دورها وتأثيرها، في ظل انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي خفّض إسهامات بلاده وانسحب من عشرات المنظمات التابعة للأمم المتحدة.
وتكتسب هذه الدورة بُعدا إضافيا كونها آخر دورة للجمعية العامة تفتتح خلال ولاية أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية والأخيرة في 31 ديسمبر 2026، فيما بدأت بالفعل عملية اختيار الأمين العام الجديد الذي يتولى منصبه مطلع 2027.
ويتوقّع أن تشهد الأروقة صراعا خلف الكواليس حول المستقبل ومن ذلك الأمين العام المقبل للمنظمة، التي تعاني من انقسامات حادة وأزمات مالية وعجز في الميزانية.



