ترسيخ قيادة التحول الزراعي ضمن منظومة وطنية استشرافية
إطلاق أدوات عصرية فعّالة لتوجيه الاستثمار الفلاحي
يرى أستاذ العلوم الزراعية بجامعة قاصدي مرباح في ولاية ورقلة، البروفيسور عبد الباسط بومادة، أن مخرجات اجتماع مجلس الوزراء الأخير في شقها المتعلق بقطاع الفلاحة، تكشف عن توجه جديد يتجاوز المعالجة الظرفية لحصائل موسم الحصاد والدرس، نحو إعادة النظر في نوعية الآليات والمؤسسات التي تقوم عليها المنظومة الفلاحية الوطنية.
أبرز البروفيسور عبد الباسط بومادة، في تصريح أدلى به لـ»الشعب»، أن إعادة النظر في دور الديوان الجزائري المهني للحبوب والمعاهد المتخصصة في قطاع الفلاحة، إلى جانب الرقمنة الفورية لنظام دفع المحاصيل، وإطلاق مسح وطني للتربة، والتحضير لقانون توجيهي جديد للفلاحة، كلها مؤشرات على أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة إعادة بناء أدوات الدولة في خدمة فلاحة أكثر نجاعة ومرونة وإنتاجية.
وأكد بومادة أن قطاع الفلاحة الجزائري حقق خلال السنوات الأخيرة، تطورًا ملحوظًا، في عدد من الشعب الزراعية، والتحدي اليوم لم يعد يتمثل في زيادة الإنتاج فقط، وإنما في كيفية إدارة هذا الكم الضخم للمحاصيل، وتحسين مردوديتها، وتقليص التكاليف والبيروقراطية المحيطة بها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مضافة.
من محاربة البيروقراطية إلى البناء التسييري
أوضح الأستاذ عبد الباسط أن البيروقراطية كانت، على مدى عقود مضت، إحدى الإشكالات التي أثّرت سلبًا في علاقة الفلاح بالإدارة، وفي سرعة الاستجابة لحاجاته الأساسية.
وإذا كان الحديث اليوم عن عصرنة القطاع الفلاحي، فإن المقصود لا ينبغي أن يكون إدخال الحاسوب أو إنشاء منصات رقمية فحسب، وإنّما إعادة هندسة المسار الإداري برمته من طلب الخدمة، إلى دراسة الملف، مرورًا باتخاذ القرار، ثمّ إلى تنفيذ العملية ومراقبتها.
ويأتي إقرار الرقمنة الفورية لنظام دفع المحاصيل الزراعية للوكالات الجهوية للديوان الجزائري المهني للحبوب، والعمل بالتنسيق مع الديوان الوطني للإحصاء؛ لكونها أكثر من مجرد وسيلة لتسريع الدفع ويمكن أن تتحول إلى أداة لبناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة حول المساحات المزروعة، والإنتاج، والمردودية، والمخزونات، ومواقع التجميع، وتعداد المزارعين، ونسب تطور الإنتاج من موسم إلى آخر.
وهذه البيانات الرقمية أصبحت، اليوم، شرطًا أساسيًا، لصناعة القرار الصحيح بناءً على المعطيات المسجلة. ولا يمكن التخطيط لإنتاج الحبوب أو تحديد حاجيات السوق أو توجيه المساحات المزروعة إذا كانت الدولة لا تمتلك، في الوقت المناسب، أرقاماً دقيقة ومحيّنة، بحسب قوله.
الديوان المهني للحبوب.. دور اقتصادي جديد
وأفصح بومادة أن الديوان الجزائري المهني للحبوب، يمتلك شبكة واسعة من الهياكل عبر مختلف ولايات الوطن الكبير، وإصلاحه سيكون له أثر مباشر على علاقة الدولة بالمنتج، وعلى تنظيم سوق الحبوب ككل.
ورأى محدثنا أن الإصلاح الحقيقي للمنظومة ينبغي أن يبدأ من إعادة تعريف الوظيفة والانتقال من منطق «التسيير الإداري للمحصول» إلى «إدارة سلسلة القيمة للحبوب». وهذا يعني، ضرورة تطوير أنظمة التنبؤ بالإنتاج، ومواصلة تحسين قدرات التخزين، واعتماد أنظمة رقمية لتتبع المحصول من المنتج إلى التخزين والتوزيع والتسويق، وتحسين مراقبة الجودة، وتقليص آجال الدفع، وتوفير خدمات ومعلومات للفلاح تساعده على اتخاذ قرارات أفضل بشأن الأصناف والتقنيات ومواعيد الزرع والحصاد.
كما أن شبكة التعاونيات يمكن أن تصبح منصة حقيقية للخدمات الفلاحية، وليس مجرد فضاء لاستلام المحصول أثناء فترة الحصاد، مع تقديم خدمات مرتبطة بالبذور، والإرشاد، وتحليل الجودة، والمعلومات المناخية والسوقية، وربط المنتج الزراعي بمختلف الفاعلين في سلسلة القيمة، وفقًا لمحدثنا.
إصلاح المؤسسات الفلاحية وتحديث وظائفها
كشف البروفيسور عبد الباسط أن إعادة النظر في دور المؤسسات الفلاحية لا يعني بالضرورة التخلي عنها، وإنما مراجعة توجيهها نحو المهام التي يحتاجها الفلاح والاقتصاد الوطني في حلته الجديدة اليوم. فالجزائر أنفقت واستثمرت لعقود في بناء مؤسسات ومعاهد متخصصة في الزراعة والبحث والتكوين، وتتوفر هذه المؤسسات على كفاءات بشرية معتبرة، غير أن التطور المتسارع الذي يشهده القطاع الزراعي عالمياً يفرض عليها أن تنتقل من نمط تقليدي في العمل إلى نموذج عصري قائم على الابتكار، والبحث التطبيقي، والرقمنة، والزراعة الدقيقة، وإدارة وترشيد المياه، وتحسين الأصناف، وتوطين الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
وأضاف المصدر ذاته، أن الزراعة العالمية لم تعد تعتمد على الخبرة التقليدية فقط، وإنّما أصبحت تستند بشكل متزايد على الاستشعار عن بعد، والخرائط الرقمية، وأنظمة المعلومات الجغرافية، والاستشعار في الحقول، والنّمذجة المناخية، وتحليل التربة، وإدارة المياه وفق الاحتياجات الفعلية للنباتات. ومن هنا، فإن المعاهد الوطنية المتخصصة مطالبة بأن تصبح مختبرات لحل مشكلات الفلاح الجزائري، وليس فقط مؤسسات لإنتاج الدراسات والتقارير.
مسح التربة.. قاعدة علمية لتوجيه الزراعة
من أكثر القرارات أهمية في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، مثلما أفاد بومادة، هو قرار إطلاق برنامج وطني لمسح وتحليل التربة بالتنسيق مع المخابر، بهدف تحديد وتصنيف طبيعة الأراضي الفلاحية في مختلف المناطق المزروعة، مشيرًا أن هذا القرار له أهمية إستراتيجية كبيرة؛ لأن الزراعة الحديثة لا يمكن أن تقوم على قاعدة «نزرع ثم نرى النتيجة»، بل يجب أن نعرف أولاً ماذا تمتلك الأرض من خصائص، وما الذي يمكن أن تنتجه، وما هي حاجتها من المياه والأسمدة، وما هي المحاصيل الأكثر ملاءمة لها، ثمّ يأتي الدور على التقديرات الإنتاجية.
وإذا ما تمّ تحويل نتائج هذا المسح إلى قاعدة بيانات جغرافية وطنية مرتبطة بالرقمنة، فإنها يمكن أن تصبح أداة لتوجيه الاستثمار الزراعي، وتحديد الزراعات الملائمة لكل منطقة، وترشيد استعمال الأسمدة والمياه، ورفع الإنتاجية وتقليل الهدر.
وبناءً على ذلك، فإن خطوات إصلاح الديوان والمعاهد والتعاونيات الفلاحية ومسح التربة، لا ينبغي أن يُنظر إليها كإجراءات إدارية محدودة، بل كجزء من إعادة هندسة المنظومة الزراعية الجزائرية، والنجاح فيها سيقاس في النهاية ليس بعدد القرارات أو النصوص الجديدة، وإنما بمدى انعكاسها على الفلاح الذي ينشد إدارة أسرع، وخدمة أفضل، ومعلومات أدق، وإنتاجية أعلى، وتكلفة أقل، وقيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني، وسوقًا أكثر تنظيمًا. وهذا هو المعنى الأعمق لعصرنة القطاع الفلاحي، بأن تصبح الإدارة والمؤسسات والمعاهد أدوات مسخرة في خدمة الإنتاج والاستثمار والابتكار، وليس للجرد وتخزين المحاصيل فحسب، يذكر البروفيسور عبد الباسط.



