الأمن الغذائي يبدأ من الحقل ومرافقة الفلاح من البذر إلى الحصاد
شعبة الحبوب أمام مرحلة مغايرة..
من متابعة المحصول إلى بناء خريطة فلاحية وطنية
تدخل الجزائر مرحلة جديدة في بناء منظومة الأمن الغذائي، عنوانها الانتقال من المتابعة الظرفية للمواسم الفلاحية إلى بناء رؤية أكثر دقة، تقوم على الأرقام والرقمنة ومعرفة قدرات الأرض والمياه، وتوجيه المساحات المزروعة وفق الاحتياجات الوطنية.
وقد عكست توجيهات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال اجتماع مجلس الوزراء، هذا التوجه بوضوح، من خلال حزمة من الإجراءات التي خصت موسم الحصاد والدرس 2025-2026، وشعبة الحبوب على وجه الخصوص، باعتبارها إحدى أهم ركائز الأمن الغذائي.
وأصبحت قضية الحبوب، وفق هذه الرؤية، مرتبطة بمنظومة متكاملة تبدأ من معرفة طبيعة التربة والمساحات القابلة للزراعة، وتمر باختيار الزراعات الملائمة وتوفير البذور والأسمدة والعتاد، وصولا إلى ضبط عمليات الجمع والإحصاء والدفع، بما يسمح ببناء قاعدة بيانات دقيقة يمكن على أساسها اتخاذ القرارات.
وفي هذا السياق، أمر رئيس الجمهورية وزير القطاع بإعداد نشرية شهرية تتضمن المعطيات المتعلقة بالإنتاج، مع تكليف الولاة بالمراقبة الدقيقة لمختلف مراحل النشاط، وتحديد نسب وكميات إنتاج الحبوب، خاصة القمح الصلب والقمح اللين. كما شدد على الرقمنة الفورية لنظام دفع المحاصيل الزراعية على مستوى الوكالات الجهوية للديوان الجزائري للحبوب، والعمل بالتنسيق مع الديوان الوطني للإحصاء، بما يعزز دقة الأرقام ويضع المعطيات الفلاحية في خدمة القرار.
من موسم الحصاد إلى منظومة معلومات
وفي السياق، يرى الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة، في تصريح لـ«الشعب»، أن أهمية هذه الإجراءات تكمن في كونها تفتح الباب أمام بناء منظومة معلومات حقيقية حول القطاع، بعدما ظلت بعض المعطيات في السابق تعتمد على التقديرات والأساليب التقليدية.
واعتبر بوخالفة أن النشرية الشهرية المنتظرة ينبغي أن تكون أداة لمتابعة الإنتاج بالأرقام، من حيث الكميات المنتجة والمسترجعة على مستوى وحدات الديوان الجزائري للحبوب والبقول الجافة، إلى جانب المردودية حسب المناطق والولايات والظروف المناخية.
ويعني ذلك، في نظره، أن السلطات العليا في البلاد تحتاج إلى معرفة ما ينتج فعليا، وأين ينتج، وبأي مردودية، وما هي الكميات التي تصل إلى وحدات التجميع، وهي معطيات تسمح لاحقا بتصحيح الاختلالات وتوجيه الموارد وفق الاحتياجات الحقيقية.
ومن هنا تأتي أهمية الرقمنة التي حظيت بمكانة واضحة في توجيهات مجلس الوزراء. فحين تصبح عمليات التصريح والاسترجاع والدفع مرتبطة بمنظومة رقمية، تصبح عملية المتابعة أكثر دقة، وتتوفر للإدارة قاعدة بيانات يمكن تحديثها باستمرار، بدل انتظار نهاية الموسم لجمع أرقام قد لا تعكس الصورة الكاملة.
الديوان.. من الاستيراد إلى مرافقة الإنتاج
ومن بين الملفات التي أعاد اجتماع مجلس الوزراء طرحها، مسألة إعادة النظر في دور الديوان الجزائري للحبوب والبقول الجافة والمعاهد المتخصصة في القطاع، بما يسمح بتحسين أدائها وتحديثها.
وأولى الخبير بوخالفة أهمية خاصة لهذا القرار، مذكرا بأن الديوان أنشئ مباشرة بعد الاستقلال، وكانت إحدى وظائفه الأساسية مرتبطة بتوفير الحبوب، خاصة عبر الشراء والاستيراد، قبل أن تتوسع أدواره خلال السنوات الأخيرة باتجاه الإنتاج المحلي، مشيرا إلى أن الديوان أصبح يتدخل في جوانب مرتبطة بالإنتاج، من خلال توفير البذور والأسمدة والعتاد وتقديم الإرشادات والمتابعة، معتبرا أن توسيع هذه الوظائف يجعل من إعادة النظر في مهامه مسألة مرتبطة مباشرة بالتحول الذي يعرفه القطاع. وأبرز أن الأمن الغذائي يبدأ من الحقل، ومن مرافقة الفلاح منذ مرحلة البذر إلى غاية الحصاد والتجميع والتسويق.
الولاة في قلب المتابعة الميدانية
ومن بين التوجيهات التي حملها اجتماع مجلس الوزراء، تكليف الولاة بالمراقبة الدقيقة لمختلف مراحل إنتاج الحبوب. ويقرأ بوخالفة هذه الخطوة في إطار الحاجة إلى متابعة ميدانية تشمل موسم الحصاد والدرس، إلى جانب مرحلة البذر والتحضير للموسم.
فالنجاح في الزراعات الاستراتيجية، بحسب الخبير، يرتبط بتوفير البذور المناسبة لطبيعة التربة والمناخ، والأسمدة، والعتاد الفلاحي، واحترام المسارات التقنية، فضلا عن ضمان توفر الحصادات والجرارات وغيرها من المعدات في الوقت المناسب.
وأبرز الخبير ذاته أن هذا الأمر يكتسي أهمية خاصة، لأن تطوير الإنتاج يرتبط بتوسيع المساحات ورفع المردودية وتحسين طرق العمل وتقليص الخسائر والتكاليف.
خريطة جديدة للأراضي الفلاحية
ولعل من أبرز الملفات التي حملتها توجيهات مجلس الوزراء، التحضير لقانون توجيهي للفلاحة أكثر نجاعة، يتضمن آليات لتخصيص المساحات المزروعة بالمنتجات السنوية وفقا للحاجة، بهدف تقليص الاستيراد والتوجه تدريجيا نحو الاكتفاء الذاتي والتصدير.
واعتبر بوخالفة أن هذه الخطوة يمكن أن تشكل قاعدة لبناء خريطة فلاحية وطنية تحدد إمكانات كل منطقة واحتياجاتها، وتسمح بتوجيه الزراعات وفقا لطبيعة الأرض والموارد المتاحة والاحتياجات الوطنية.
ويرى الخبير أن المطلوب وفق هذا التصور هو اختيار المحصول الأكثر ملاءمة لكل مساحة، بما يرفع الإنتاجية ويحسن استعمال الموارد ويقلص التكاليف، مع مراعاة خصوصية كل منطقة وإمكاناتها الطبيعية.
القمح الصلب.. اقتراح اقتصادي على طاولة النقاش
ومن بين الأفكار التي طرحها الخبير في قراءته لتوجهات رئيس الجمهورية، ضرورة إعادة النظر في طريقة توزيع الاهتمام بين القمح الصلب والقمح اللين، من زاوية الأمن الغذائي والقيمة الاقتصادية.
ويطرح بوخالفة فكرة إعطاء أولوية أكبر للقمح الصلب، معتبرا أن رفع إنتاجه إلى مستويات تسمح بتحقيق الاكتفاء الذاتي وخلق فوائض قابلة للتصدير يمكن أن يفتح مجالا لمقاربة اقتصادية مختلفة في التعامل مع القمح اللين.
وقدم الخبير، في هذا السياق، حسابا اقتصاديا يعتبر فيه أن القيمة الأعلى للقمح الصلب في الأسواق الخارجية يمكن أن تسمح، عند تصدير الفائض، بتمويل استيراد كميات أكبر من القمح اللين. ويؤكد أن هذه الفكرة تمثل مقترحا للنقاش ضمن التوجيه الفلاحي، وليست قرارا صادرا عن السلطات.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية لأنها تطرح سؤالا أوسع حول إمكانية بناء الخريطة المستقبلية للحبوب على حسابات اقتصادية تحدد المحاصيل التي تمنح الجزائر أكبر قيمة مضافة مقابل الموارد المستخدمة في إنتاجها.
ويرتبط هذا النقاش مباشرة بالتحضير لقانون توجيهي جديد للفلاحة، وبالعمل على تحديد المنتجات التي تحتاج الجزائر إلى إنتاجها محليا، وتلك التي يمكن تغطية حاجاتها من خلال الاستيراد بعد ضمان مصادر تمويل مستدامة.
وأشار محدثنا إلى أن التوجيه الفلاحي أصبح ضرورة حتمية في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى التحول الذي يعرفه القطاع، قائلا إن الجزائر كانت تعتمد في جانب كبير من نشاطها الزراعي على أنماط تقليدية لم تكن تراعي بالشكل الكافي متطلبات العصر ورفع المردودية وتحسين الإنتاج.
وأضاف أن توفير إمكانات جديدة، من الرقمنة والمكننة إلى الزراعة الذكية وتقنيات الري الحديثة، يفرض إعادة النظر في السياسة الفلاحية، من أجل تحديد الزراعات التي تتناسب فعليا مع احتياجات الجزائر وإمكانات كل منطقة، مع تطوير الأساليب الزراعية التي تراعي طبيعة التربة والمناخ عند اختيار المحاصيل.
الماء.. الشرط الآخر للأمن الغذائي
وفي ظل التغيرات المناخية وتذبذب التساقطات، يرى الخبير أن بناء استراتيجية فلاحية طويلة المدى يتطلب تنويع مصادر المياه وتعزيز الموارد الموجهة للقطاع.
وقد حمل اجتماع مجلس الوزراء توجيها واضحا نحو استخدام المياه المستعملة في السقي، مع استهداف قطاع الري استرجاع نسبة 60 بالمائة من المياه المستعملة، إلى جانب التأكيد على ضرورة حرث الأراضي وتهيئتها في مختلف الظروف.
ويرى بوخالفة أن تنويع مصادر المياه الموجهة للفلاحة أصبح ضرورة، من خلال المياه الجوفية والمياه المعالجة وغيرها من الموارد، بما يعزز استقرار الإنتاج الزراعي ويحد من ارتباطه بتذبذب التساقطات.




