الكفاءة والابتكار بوابة صناعة المستقبل
اعتبر البروفيسور عبد القادر بريش، الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي، أنّ الجامعة الجزائرية أمام تحول استراتيجي، وأنّ تطويرها أصبح جزءا من مشروع وطني واسع لإعادة بناء منظومة المعرفة والبحث والابتكار، في ظل تحولات عالمية عميقة تقودها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة واقتصاد المعرفة، إلى جانب المنافسة المتزايدة على الكفاءات ورأس المال العلمي.
قدّم البروفيسور عبد القادر بريش تشريحا استشرافيا موسّعا حول آفاق الجامعة الجزائرية في ظل التطور التكنولوجي، موضّحا أنّ مفهوم الجامعة الجزائرية من الجيل الرابع يعبّر عن تحول يتجاوز إدخال التكنولوجيا والرقمنة إلى الجامعة، ليشمل إعادة تعريف وظائفها وموقعها في الدولة والمجتمع والاقتصاد.
وأوضح أنّ الجامعة الحديثة مطالبة بالجمع بين جودة التكوين وإنتاج المعرفة والبحث والتطوير وتثمين نتائجه، إلى جانب نقل التكنولوجيا وتشجيع الابتكار والمقاولاتية، والانفتاح على المحيط الاقتصادي والاجتماعي، والاندماج في شبكات المعرفة العالمية.
البحــث أســـــاس الابتـكــــار
أوضح الخبير بريش أنّ هذا المسار يندرج ضمنه عدد من المفاهيم التي أصبحت حاضرة في مقاربة قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، وفي مقدّمتها الجامعة الذكية، والجامعة المقاولاتية، وتثمين نتائج البحث العلمي، ونقل التكنولوجيا، والمقاولاتية الجامعية، وتدويل التعليم العالي، وحوكمة البيانات، والسيادة الرقمية.
ويرى أنّ نجاح هذا المسار يُقاس بمدى قدرة الجامعة على تحويل المعرفة إلى نتائج قابلة للقياس، ثم تحويل هذه النتائج إلى أثر علمي واقتصادي واجتماعي مستدام، إذ تتميّز جامعة الجيل الرابع بانتقالها إلى نموذج أكثر تكاملا، تتفاعل فيه وظائف التعليم والبحث والابتكار والتثمين والتكوين المستمر والانفتاح الدولي.
وأكّد الأستاذ الجامعي بريش أنّ الجامعة الأكاديمية والجامعة المنتجة يمكن أن تتكاملا ضمن نموذج واحد، بحيث تحافظ الجامعة القوية على وظيفتها الأكاديمية والعلمية، وتمتلك في الوقت نفسه القدرة على تحويل المعرفة التي تنتجها إلى حلول وتطبيقات ومنتجات ومشاريع تخدم الاقتصاد والمجتمع.
وفي هذا الإطار، أكّد الخبير أنّ جامعة الجيل الرابع توسّع الوظائف الأساسية للجامعة وتعيد تنظيمها ضمن منظومة أكثر ترابطا، تجعل المعرفة أساسا للتكوين، والبحث أساسا للابتكار، والابتكار مدخلا للتثمين ونقل التكنولوجيا، مشدّدا على ضرورة تطوير أدوات الحوكمة والتقييم، حتى تتّجه الجامعة بصورة متزايدة نحو مؤشّرات النتائج والأثر، إلى جانب مؤشّرات النشاط.
إدمــاج المهــــارات الرقميــة
اشترط البروفيسور بريش، لبناء جامعة ذكية ومبتكرة ومنفتحة على العالم، تمتين قاعدة بشرية عالية الكفاءة، معتبرا جودة التكوين الجامعي نقطة الانطلاق في المشروع برمّته. ويشكّل تحديث التخصّصات، وتطوير البرامج، وإدماج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وربط التكوين بالتطورات العلمية والتكنولوجية واحتياجات الاقتصاد، عناصر أساسية لبناء رأس مال بشري قادر على مواكبة التحوّلات.
وتوقّف الخبير بريش عند جودة التكوين، موضّحا أنها تقاس بقدرة الخريج الجامعي على التفكير النقدي والتحليل وحلّ المشكلات والعمل ضمن فرق متعدّدة التخصّصات، واستخدام التكنولوجيا والتكيّف مع التحوّلات المهنية والعلمية، إلى جانب المعارف التي يكتسبها خلال مساره الجامعي.
وأشار إلى أهمية بناء قابلية مستدامة للتعلّم والتكيّف والابتكار، في ظل سرعة تغيّر المعرفة، وحاجة التكوين الجامعي إلى إعداد الإنسان للتعلّم المستمر وتطوير مهاراته طوال مساره المهني والعلمي.
وأشار بريش إلى أنّ الأستاذ والباحث يظلان محور العملية الجامعية مهما تطورت التكنولوجيا، موضّحا أنّ الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم الأستاذ ويوفّر أدوات جديدة للتعليم والتقييم، ويساعد الباحث في معالجة البيانات والوصول إلى المعرفة، فيما يظل التفكير العلمي والقدرة على التحليل والإبداع والتوجيه الأكاديمي عناصر محورية في العملية الجامعية.
انتقـــال الخــبرة للاقتصــاد
أكّد البروفيسور بريش أنّ القدرة على تثمين نتائج البحث العلمي ونقل التكنولوجيا، تمثل أحد أهم المؤشّرات على تطور جامعة الجيل الرابع، باعتبار أنّ إنتاج المعرفة يرتبط بحمايتها عبر الملكية الفكرية، وتطوير النماذج الأولية، وتحويل نتائج البحث إلى تطبيقات، ثمّ إلى مؤسّسات ومنتجات وخدمات قابلة للاستعمال والتسويق.
وفي هذا السياق، تتكامل منظومة البحث والتطوير مع الحاضنات ومراكز نقل التكنولوجيا والمؤسّسات الفرعية الجامعية والمؤسسّات الناشئة وآليات التمويل والاستثمار، بما يتيح تحويل المعرفة والخبرة العلمية إلى قيمة مضافة في الاقتصاد.
ويرى الخبير بريش أنّ إدراج مؤسّسة «CRAPC Expertise» في بورصة الجزائر سنة 2026، يعد مثالا ذا دلالة على إمكانية انتقال الخبرة والبحث العلمي من المجال الأكاديمي إلى المجال الاقتصادي، وعلى قابلية المعرفة والخبرة العلمية للتحول إلى نشاط اقتصادي ذي قيمة مضافة.




