تشهد الحركة الرياضية الجامعية في الجزائر ديناميكية متصاعدة، جعلت من الجامعة فضاء يجمع بين التحصيل العلمي والممارسة الرياضية والتكوين المتكامل للطالب. ويبرز هذا التحول في اختيار الجزائر لاستضافة الطبعة الثالثة عشرة للألعاب الإفريقية الجامعية بمدينة وهران عام 2028، في خطوة تنقل الرياضة الجامعية الوطنية من موقع المنافسة وحصد الألقاب إلى موقع الاستضافة والقيادة والتنظيم على المستوى القاري.
يأتي الاختيار تتويجا للحضور الجزائري القوي في الطبعة الثانية عشرة للألعاب الإفريقية الجامعية التي احتضنتها مصر عام 2026، حيث تمكّن الطلبة الجزائريّون من حصد 115 ميدالية، منها 41 ذهبية و38 فضية و36 برونزية، ليحتل الوفد الجزائري المرتبة الثانية في الترتيب العام. وتعكس هذه الحصيلة حجم الطاقات الرياضية التي تزخر بها الجامعات الجزائرية، كما تبرز قدرة الطالب على الجمع بين مسارين يتطلّب كل منهما جهدا وانضباطا مستمرّين: المسار الأكاديمي والمسار الرياضي.
ولا تكتسب هذه النتائج أهميتها من عدد الميداليات فقط، وإنما من دلالتها على تطور الرياضة الجامعية باعتبارها أحد روافد اكتشاف المواهب وصقلها. فالجامعة تستطيع أن توفّر للرياضي الشاب إطارا يسمح له بمواصلة دراسته وتطوير مستواه في الوقت نفسه، بما يحد من المفاضلة التقليدية بين الدراسة والممارسة الرياضية. ومن هذا المنظور، تصبح الرياضة الجامعية جزءا من منظومة صناعة النخب، لا مجرّد نشاط مواز للحياة الجامعية.
وتمنح استضافة وهران لطبعة 2028 هذا المسار بعدا جديدا، إذ سيكون التحدي المقبل مرتبطا بقدرة الجزائر على تنظيم تظاهرة قارية تستقطب آلاف الطلبة والرياضيّين من مختلف الدول الإفريقية، وتوفّر لهم الظروف المناسبة للمنافسة والإقامة والتبادل والتعارف. كما تمثل المناسبة فرصة لإبراز إمكانات وهران، بما تتوفّر عليه من منشآت رياضية وهياكل فندقية وخبرة في احتضان التظاهرات الدولية الكبرى.
ومن شأن الألعاب الإفريقية الجامعية أن تتجاوز حدود المنافسة الرياضية لتتحول إلى فضاء للتفاعل بين الجامعات الإفريقية. فاللقاءات التي تجمع الطلبة والباحثين والأطر الرياضية يمكن أن تفتح مجالات أوسع للتعاون الأكاديمي والثقافي، وتدعم تبادل الخبرات والمبادرات بين مؤسّسات التعليم العالي في القارة. وهنا تبرز الجامعة باعتبارها مؤسّسة للتكوين، ومجالا لبناء العلاقات الإنسانية والمعرفية بين الأجيال الجديدة.
كما تندرج الاستضافة ضمن الحضور الجزائري المتزايد في الفضاء الإفريقي، حيث يمكن للرياضة أن تؤدي دورا مكمّلا للعلاقات الأكاديمية والثقافية والتنموية. وتمنح التظاهرات الرياضية الكبرى للدول فرصة للتقارب والتواصل وإبراز قدراتها التنظيمية، كما تتيح للشباب الإفريقي فضاء مشتركا يتجاوز المنافسة إلى التعارف والتعاون.
غير أنّ نجاح وهران 2028 لن يُقاس فقط بمدى حسن تنظيم المنافسات خلال أيام التظاهرة، وإنما بما ستتركه من أثر بعد انتهائها. فالمطلوب هو تحويل المنشآت والخبرات المتراكمة إلى إرث مستدام يخدم الرياضة الجامعية، وتعزيز برامج اكتشاف المواهب، وتوسيع التعاون بين الجامعات الإفريقية، وربط الممارسة الرياضية بالتكوين العلمي والثقافي.
وبين حصيلة مصر 2026 واستحقاق وهران 2028، تجد الرياضة الجامعية الجزائرية نفسها أمام مرحلة جديدة تتجاوز فيها وظيفة التتويج إلى وظيفة التنظيم وصناعة فضاء إفريقي مشترك. وإذا أُحسن استثمار هذا الموعد، فقد تتحول الجامعة الجزائرية إلى منصة تجمع بين التفوق الرياضي والتكوين الأكاديمي والانفتاح القاري، وتمنح الشباب مساحة أوسع للمساهمة في بناء جسور التعاون بين بلدان إفريقيا.






