دور بــــارز فـــي محــاربــــة الاحتـــلال الفرنسـي
قال الإمام ابن مريم رحمه الله: (وقد نصّ العلماء على أنّ ذكر العلماء وحكايات الصالحين واقتصاص أحوالهم أنفع للنفس بكثير من مجرّد الوعظ، والتذكير بالقول …. لأنّ الصالحين إذا ذكروا نزلت الرحمة…). ابن مريم، البستان: ص 65.
وقال ابن الأبار رحمه الله: (ومكارم الآباء بإنجاب كرام البين…) ابن الأبار الحلة السيراء: 2/12
نبدأ بأول حلقات هذه السلسلة المباركة والعقد الثمين بالإمام الشهيد في سبيل الدين والوطن، الشيخ محمد بن الحاج لعياضي بوحفص، الذي ولد بمدينة رأس الوادي لأسرة شريفة من أنبل وأعرق الأسر؛ وهي أسرة عبد الواحد الشريف الحسني، نسبهم مشهور مستفيض في الصحراء والتل، كما هو مقيّد في سجل متوارث عن كبار أعيان أولاد عبد الواحد، وهم يلتقون في النسب مع الشيخ العارف سيدي المختار الجلالي بأولاد جلال، كما لهم فرقة ببوطالب.
هذه الأسرة الكريمة تقلّبت في هذا السقع من البلاد، من بلاد الزيبان إلى منطقة رأس الوادي إلى جبل بوطالب منذ أزمنة بعيدة، وقد تولى بعض أفراد هذه الأسرة ورؤساؤها مهمة الإمامة والتعليم الشرعي والفتوى، وإصلاح ذات البين، ومنذ نزولهم بمنطقة رأس الوادي منذ ما يقارب الثلاث من القرون، كما أشار إلى ذلك البشير الإبراهيمي رحمه الله، وهم في هذا الأمر. فقد أسّس في القرن التاسع عشر كبير العائلة وهو الشيخ لخضر بن الحاج لعياضي، زاوية بالمنطقة المسماة « الشلخة « في سفح جبل مزيتة، وبقت هذه الأسرة الكريمة تتوارث هذه الرسالة إلى زمن ولادة الشيخ العالم والمجاهد الشهيد؛ محمد بن الحاج لعياضي رحمه الله تعالى.
ففي هذا الجو الأسري الذي توارث في العائلة العلم والخلق كابرا عن كابر، ولد مترجمنا الشيخ محمد بوحفص سنة 1900م الموافق لـ1317 هجري، ونشأ وشبّ كما يشبّ أقرانه في ذلك الزمن البعيد عن الضوضاء والصخب، فحفظ القرآن الكريم على يد أخيه الأكبر الشيخ سي عبد الحفيظ بوحفص، كما أخذ عنه الكثير من مبادئ العلوم الشرعية التي كانت تدرّس في ذلك الزمن، ومنها ابن عاشر والأجرومية والألفية ورسالة ابن أبي زيد القيرواني والفراض والحساب وغيرها، ثم سافر بعد ذلك للاستزادة من العلم فكانت الوجهة إلى مدينة قسنطينة، فأخذ عن ابن باديس وانظم إلى حلقات دروسه مدة من الزمن، كما زار الزيتونة رفقة أبناء عمومته من بلدة رأس الوادي لكن لم يدرس بصفة منتظمة بالمعاهد الزيتونية، وبعد أن أتم التحصيل رحمه الله تولى الإمامة والتدريس بالمسجد العتيق برأس الوادي الذي بجوار الزاوية، وذلك بعد وفاة أخيه الأكبر الشيخ عبد الحفيظ بوحفص رحمه الله تعالى، وذلك سنة 1938م أي بعد أن بلغ أشده وأستوى واكتملت مواهبه، حيث كان خطيبا للجمعة، وكذا إماما للصلوات الخمس، كما كانت له دروس علمية بعد العصر بالمسجد، تنوّعت بين علوم الفقه وعلوم القرآن والعربية وغيرها، وكان ذلك بين العصر والمغرب.
كما كان رحمه الله يتولى توثيق معاملات الناس من زواج وطلاق وبيع وهبّة وغير ذلك، وقد وقفت على الكثير من العقود التي حرّرها رحمه الله، وقد كانت له معرفة باللغة الفرنسية فهو يحسن الكتابة بها إلى حدّ بعيد.
وبعد اندلاع الثورة لتحريرية المباركة لبّى واجب الوطن، لكن بحمله لسلاح القلم والعلم، حيث عيّنته قيادة الناحية مفتيا للثورة ومحرّرا للكثير من القضايا المتعلقة بالثورة التحريرية المباركة، وقد سعى بعض ضعاف النفوس للوشاية به لدى الاستدمار الفرنسي، ممّا كان سببا في اعتقاله، واقتياده إلى جهة مجهولة ومن ثم استشهاده رميا بالرصاص على يد أحد كبار القناصين الفرنسيّين، وقد تسرّبت في تلك الفترة أخبار عن كيفية استشهاده، حيث رُوي أنه تم رميه بالرصاص الحي في الشارع القريب من زاوية الشيخ بلعيساوي، حيث رماه أحد الضباط الفرنسيّين المتخصّص في القنص، وعائلة الشيخ إلى اليوم لا تعلم له قبرا.
وأثناء زيارتي إلى منزل الشهيد محمد بوحفص، كان لنا لقاء مع زوجته ابنة الحاج بلقصوري وقد قاربت المائة سنة من العمر، وقد حدّثتني عن الكثير من حياة الشيخ وظروف اعتقاله واستشهاده رحمه الله تعالى، فقد حدثتني أنّ القوات الاستعمارية داهمت البيت ليلا وكانت هي في حالة وضع مولود جديد، ورغم قساوة الموقف وشدّة الظروف إلا أنّ الاستعمار الغاشم اقتاد زوجها دون مراعاة لأدنى الأعراف والأخلاق الإنسانية.
كما أطلعني نجله السيد عبد القادر بوحفص، على مكتبة والده الشهيد رحمه الله أو بالأحرى ما تبقى منها، وبعد اطّلاعي عن الكثير من العناوين والمحتويات والمخطوطات القيمة، حيث وقفت على مدى اهتمام الشيخ بالعلوم بمختلف أصنافها من عقلية ونقلية، وقد لاحظت أنه رحمه الله كلما أنهى قراءة كتاب كتب في آخر المجلد أنه انتهى من قراءته بتاريخ كذا وكذا، كما أنه كان يوثّق على الكتاب ثمن ومكان شراءه، فأذكر أنه كتب في المجلد الأول من كتاب الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر رحمه الله، أنه اشتراه من مدينة سطيف سنة 1945م ولا أذكر الثمن.
وممّا نذكّر به جيل اليوم أن الشيخ رحمه الله كان يعيش من عمل يده بالموازاة مع ما كان يكسبه من مقابل زهيد من التوثيق وكتابة العقود، فقد كان أساس معيشته الفلاحة، وكان يكري وأحيانا يهبه الشيخ السعيد بلعيساوي رحمه الله شيخ الزاوية قطعة أرض لأجل زراعتها، فقد كانت للشيخ بلعيساوي رحمه الله مزرعة بالمنطقة المسماة عين ادشيش ـ بجوار الوادي المنحدر من أولاد أبراهم، فقد حدثني نجله الشيخ عبد القادر بوحفص حفظه الله، أنّ الوادي كان قديما غزير المياه طيلة أيام السنة، وكانت تُزرع على ضفافه كل أنواع الخضر ومن أشهرها البقوليات؛ ومنها اللوبيا، التي كان يزرعها شيخنا العالم المجاهد الشهيد رحمه الله رحمة واسعة.
أمّا بخصوص الإمامة، فقد كان لا يتقاضى عليها أجرا وإنما هي على سبيل الحسبة. عاش عيشة الزّهاد والصالحين من صدر هذه الأمة، معلّما عاملا مجاهدا صابرا محتسبا إلى أن أكرمه الله بالشهادة، فاللهم ارحمه رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين.
وبعد استشهاد الشيخ الإمام محمد بوحفص، تولى إمامة المسجد الجامع من بعده ابن أخيه الشيخ بن عبد الله بوحفص، المدعو سي صالح، الذي بدوره درس على يد الشيخ سي عبد الحفيظ بوحفص، واجتهد وحصّل الكثير من المعارف والعلوم، ممّا أهّله لتولى الخطبة للجمعة والفتوى وبقية المهام الاجتماعية، وكما قلت فقد بلغ الشيخ بن عبد الله مرتبة علمية عالية، ولا أدل على ذلك من تكليفه من طرف قادة الناحية بمهمة القضاء فعين قاضيا للقضاة، على مستوى المنطقة، وقد كانت تحرّكاته تشمل المثلث التالي رأس الوادي، بوطالب، سطيف، وأثناء تحرّكاته لأداء مهامه تمكّنت القوات والاستخبارات الفرنسية من معرفة مكان الاجتماع بمنطقة عين غربي، بين عين والمان ورأس الوادي، حيث استشهد رفقة صديق له من بلدة غيلاسة ببرج الغدير، حيث انتقلت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها وكتبت لهم السعادة بأن دُونت أسماؤهم في سجل الشهادة، وذلك سنة 1961م.
وبعد وفاة الشيخ سي بن عبد الله بوحفص رحمه الله رحمة واسعة، خلفه في إمامة المسجد العتيق الشيخ صويلح محمد بن علي سنة 1961م إلى غاية سنة 1964م. والشيخ سي محمد بن علي رجل عالم فاضل مدرّس خرّيج الزيتونة العامرة وأسّس مدرسة علمية للتعليم وله فضل عظيم على الكثير ويستحق ترجمة حافلة لوحده، وإنما ذكرناه على سبيل ذكر التسلسل في انتقال الإمامة بالمسجد العتيق. والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللهم ارحم الشهداء رحمة واسعة من عندك، وأسكنهم فسيح جناتك مع الأنبياء والصديقين، وتقبل شهادتهم يا رب العالمين، اللهم أنزلهم منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، اللهم اجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النار، وافسح لهم في قبورهم مدّ أبصارهم، اللهم اربط على قلوب أهلهم وذويهم، وأنزِل عليهم السكينة والصبر والسلوان، واجعل لدموع محبيه فرجاً وعوضاً جميلاً.





